رابطة العصبة الحداثية الأدبية

يناير 7, 2009

السىء فى الأمر …لمدوح رزق..قراءة مجازية

السىء فى الأمر ….أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد

قراءة مجازية

هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر و القاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدى عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه…..مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أى من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة..مما يضع القارىء فى حيرة.

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة و التحيز، إنه يدين نفسه و يدين الأب و يدين الحياة ..مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية فى أن يصفها أنها ليست بالجميلة.

يقدم المجموعة بجملة إفتتحاية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحا ً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى “السماء” كل هؤلاء العميان)

و النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة و القصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، فى جملة مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، و تعطى للقارىء مساحة للتأمل و الإستبطان باستخراج مدلولات عدة.

هى لا تعطى إجابات على أسئلة و إنما تعطى أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة.

ليست الكلمات التى تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة و دلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقارىء حرية لتأويلها و بناءها من جديد، و يأتى ذلك عند نقطة النهاية التى دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات – كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية – لتؤسسه على ما إنتهيت إليه.

و الزمن له حضور قوى، حيث يكون فى معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى و الحاضر و المستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة فى تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، و من الزمنى و الغيبى تصوغ النصوص أحجية إعتراضية تبغى الحلول.

مرورنا اللحظى فى الحياة ما هو إلا بناءاً هشاً لبيوت رملية تأتى عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، … و ما الشواطىء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطىء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا ..نص( الذكرى السنوية)

شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هى إلا قناع كاذب لجذب الإهتمام و إقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط إهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، و لكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة..نص(الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق)

الشخصيات مشتتة ضائعة فى عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ، تتأمل فى سر الوجود و ماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية و الشك و الريبة و محاولة الإيمان بشىء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.
شخصيات تسير وحيدة بالليل فى الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها و تبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً و لو ضئيلاً أو ملولاً على إبتساماتها، لكنها فى النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل و تنتظر المصير فى سكون و ترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب و حسب..نص( تكره الإنتظار بجوار النافذة)

متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحا مثل حجر ألقى على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، و لكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلى، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهترىء الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر.

كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القارىء إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، و عند نهاية النص يكتشف القارىء موهبته فى ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب و إعادة الترتيب مرة و مرات، كأنما هو عالم مفكك و متشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القارىء، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارىء فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل فى جلسة ود حميمة.

الإنتظار محملاً بالدموع الساكنة فى تربص السقوط على عتبة الخد…تيمة أساسية
الإنتظار كحل مؤقت للحاضر و متأمِّل للماضى و متربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الإنتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر و حسب…ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر و ذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك و كينونتك فى واقع يمل المنتظرين و يخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً..أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر و إنما يتفاعل غير محتاج لشىء….أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر و لكن لتزاحم هذا الشىء الآخر و تجد لها مكاناً تركن إليه
فعلُ يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، إعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء….نص(حيث أنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة)

بين الألم و الخوف و الحزن و الإنتظار و الموت يتشكل السىء فى الأمر…إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم- إنها حالة من الوعى بالذات التى أصبحت وفقا لقوانين بسكال لاشىء، ضرباً من الوعى المرعب

تشكل مجموعة النصوص ( السىء فى الأمر) علامة إستفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شىء على ما يرام؟

إسلام يوسف
_______________________________________________________

الكتاب:السىء فى الأمر

المؤلف:ممدوح رزق

الناشر: دار أكتب للنشر و التوزيع2008

لذة أن تكون منتحراً..الإنتحار كفعل إرادى فى مقابل لا إرادية و لا أدرية العالم

الإنتحار كفعل إرادى فى مواجهة لا إرادية و لاأدرية العالم

أنا وجيه غالى و ماياكوفسكى و سيلفيا بلاث و إرنست هيمنجواى و فيرجينيا وولف و فان جوخ و آن سكستون و نيتشة و إنجبورج باخمان و فروغ فرخذاد و يوكيو ميشيما و آرثر كيسلر و داليدا و بوب مارلى…..إلخ إلخ

أنا كل هؤلاء..أعيش بلعنة الإنتحار..مهمل تستدلون عليه بظل

إن الإنتحار فى هذه الحياه ليس بالغ الصعوبة..إن بناء الحياة كما أعتقد هو الأصعب

عالمنا ليس معداً من أجل المرح..حياتنا تحتاج لإعادة ترتيب

الإنتحار ليس فعلا فسيولوجيا فقط، ما يميز الإنتحار عن الموت الفجائى و الطبيعى هو أن له طرق عديدة فى التطبيق، لمجرد أننى تشبعت بفكرة الإنتحار لا يهم بعد ذلك، الإنتحار الفسيولوجى يوازى الإنتحار السيكولوجى بالنسبة لى

هناك أناس منتحرين بيننا(فتش عن المنتحر) ستجده فى أشخاص لا يتخطون عتبة دائرتك المغلقة.

يلحُّ علىّ سؤال، يطرق رأسى بمطرقة عنيفة دقات متتالية مستمرة لا يصيبها الوهن: ما الذى أفعله هنا؟…. أمامى لوحات بيضاء لم تملأ بعد، ألوانى المائية و ألوانى الزيتية و أقلام الفحم و فرشاتى الممزوجة بالتربنتين..كلهم ينتظرون إشارة البدء

أوراق بيضاء كثيرة كثيرة تملأ الحجرة، قلم لا تستعصى عليه الكتابة، أوراق كثيرة حبّرتها

أحضر حفلات الأوبرا و أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية و الميتال و الهيب هوب و الجاز و الراب. قاعات السينما مازالت مفتوحة..هل أميل إلى الأفلام الرومانسية أكثر أم لأفلام الرعب أم لأفلام الحرب و الأكشن..أداء روبيرت دى نيرو ما زال يحيرنى و مارلون براندو يفتح عينى على إتساعها، تلال من الكتب تغلف الجدران مستلقية فى كسل تنتظر أيادى تشفق عليها

كأسك أيتها الأشياء الرائعة فى العالم، لقد لوّنتى فيلم حياتى الأبيض و الأسود بألوان مبهجة…ثم ماذا بعد ذلك؟!..هل أمثل فى مسرحية هزلية؟!!!!!! كَدُمية ماريونيت لم تحفظ دورها الغاية فى البساطة و السهولة ..و لكنها معلقة بخيوط واهية، تتلاعب بها يدٌ غير جديرة باستلاب الحركة

فى حالة إنتظار أبدىٍّ لا يمل من ترقب ما سيحدث، متأملاً فى غضب صور الماضى المتعاقبة من ذاكرة لا تهدأ و لا تكل، أقف بقدم ثابتة على أرض طينية لزجة تغوص فيها قدماى أو أسير على بحر أمواجه تصطخب فى عنف.

دون كيشوت ساذج يترنم بأغنية مثالية لكلمات لم يغنها أحدٌ بعد، سيف من خشب و طواحين متوقفة عن العمل من القرون الوسطى لا تسعفها الرياح على الدوران، حصان نتئت عظامه و لا يجد ما يقتات عليه، أراضى مفتوحة ممتدة بإمتداد البصر لا تُحَد، يجرى حصانى لا يوقفه الكلأ اليابس من حرارة الشمس و المحروق من أثر حروب دارت منذ زمن

أتحسس جسدى بالليل لأتأكد أننى لم أزل مكسوّ باللحم و لم أتحول إلى جسدٍ هشٍ من الأوراق، أتنشق أوراق، أستمع إلى حفيف الأوراق، أتذوق الأوراق، أتنفس أحباراً تنبعث من أوراق، أهضم أوراقاً، فضلاتى أوراق..أوراق..أوراق..أوراق..هنا و هناك فوق و تحت و عن يسارى و عن يمينى، جدران من الأوراق، مكتب من أوراق، منضدة للطعام من أوراق، أطباق من الأوراق، طعام من الأوراق…أوراق ..أوراق..أتحسس جسدى مرة اخرى

موبايل من ورق..أكلم أصدقاء ورق، كمبيوتر ورق، فيس بوك ورق، ..ورق إفتراضى، وول ورقى، فن وول ورقى، سوبر وول ورقى، صنوق بريد ورقى، أصدقاء ورق…حياةٌ تنزح نزوحاً إلى الورق و تفترض الحروف و الكلمات و الأصدقاء و المجتمع..هل أهرب من واقع يصطنع نفسه إلى واقع مُفتَرَض فى ذاته؟

يعتصرنى هاجس الإنتحار و يلح على تفكيرى، يملأ مسام جسدى و يبعث بها التسمم البطىء الموحى بوأد فعل الحركة فى الزمن، التعاقب لفظة حذفت من قاموسى، يتوقف الزمن لاماضى لا مستقبل، زمنٌ واحد يدق على باب الحجرة، ليست دقات متتالية، هى دقة واحدة متصلبة على غشاء أذنى، أتوجس من فتح الباب فأربض بجانبه أسده بكتلتى التى تملأ فراغاً لابد له أن يمتلىء..و بين هاجس مميت و توجس مرعب أسلِّى نفسى بشفرة موسىّ حادة أقطع بها جلدى و أتلذذ باللون الأحمر

هذا هو ما أدعوه العضو المنتسب..يتسلى حتى يصبح مؤهلاً تأهلاً كاملاً ليحوز كارنيه العضوية ويصبح عضواً عاملاً..عند ذلك و عند ذلك فقط لا يستطيع أى مخلوق أن يمنعه

كيف لكم أن تنقذوا الآخرين و أنتم غير قادرين على إنقاذ أنفسكم

الأرض مغلفة بالدم و الظلام و جبال الجليد تتجه إلى القلب

ليس الموت هو الذى يتهددنا فى كل خطوة نخطوها ..لكنها الحياة

أحتاج إلى تكنيك لا تغلفه الشفقة

أحياناً ما أتساءل لماذا معظم حالات الإنتحار بقطع شرايين الرسغ تكون فاشلة فيلحقون المنتحر فى آخر لحظة؟

ألا تكفى الدماء المصبوبة من جسده لكى تنفصل الروح؟ تك تك

جرعة كبيرة من الحبوب المهدئة أحياناً ما تكون غير فاعلة

أو أنبوبة الغاز ما أدرانى أنها تكفى، ممكن أن تكون فارغة أو نصف ممتلئة

أحياناً ما أحس أن رائحة الغاز تشكل لدى إدماناً كرائحة الدوكو

فى الأفلام القديمة و الحديثة التى تتحدث عن حقبة رومانية أو أساطير يونانية، دائماً ما يستعين المنتحر بشخص آخر كى ينقله بسهولة إلى العالم الآخر..لماذا لم يشكر يوليوس قيصر صديقه بروتوس؟..مفضلا كلمة: حتى أنت يا بروتوس

ليس معى ترخيص حمل أسلحة……….هل أنتظر الإنتحار فى كابوس مرعب؟

المنتحر ليس جباناً، إتخذ قراراً حقيقياً فىعالم قراراته باطلة فقام بفعله بجسارة يحسد عليها

جلسة يوجا…نعم جلسة يوجا هو ما يعوزكم، تأمَّل… هل تسير و تتقدم بإرادتك؟ أنت ترس صغير فى آلة فى مصنع لا تعلم عنه شيئاً..حتى لو علمت، أنت مجرد ترس لن يتعدى وظائفه..نحن البشر ترسانة من التروس على مر العصور لا تتوقف و لن تسمح لنفسها بالتوقف

أفعالك؟ هه..من العبث أن تسميها أفعالك..أنت فى منظومة يترأسها من هو أقوى منك، لن تقوَ على التمرد سترضخ أو تفتعل الرضوخ، لست أنت من يتحكم بك، طأطأ رأسك و لمع قفاك جيداً…هذا هو دورك

التليفزيون، السينما، الإعلانات المصاحبة، مالك الذى ينتجه عملك سيؤول إلى أشياء لم تخترها أنت..و إنما أملتها عليك منظومة إعلامية

تمردك الوحيد هو أن تنهى كل هذا..لك كل الحق إن فعلت..لن يدفعك شىء لذلك، دافعك الوحيد هو أن ترفض (وجود) لم تختر أن تكونه ب(لا وجود) إخترت أن تكونه

مازلت فى حالة إنتظار مؤرقة عاشها قبلى آخرون لم يموتوا منتحرين، لكن الفكرة كانت تستلبهم، تمرغ رؤسهم فى حمأة رمال غير ساكنة، لم تواتهم الجرأة ..لكنهم عاشوا بها..و لذلك ماتوا فى ظروف غامضة..محمد ربيع، جمال حمدان، بوب مارلى..إلخ إلخ

و آخرون ما زالوا ينتظرون..و هنا يأتى السؤال..ينتظرون ماذا؟

كلهم أبدعوا..كلهم تعذبوا..إنفض عنك اليقين، لا أرض ثابتة تحت قدميك، الريح غير ساكنة و المطلق لم يوجد بعد…إمح يقينك بأنك زائد و غير ضرورى..لا تصغ إلى أفواهٍٍٍ ستقول: لقد إنقضى أمرٌ تافه

إصرخ بصوت لن يصل إلى آذان غير مصغية: إنى أفتقد المعنى

نحن مجرد نقاط سوداء نملأ فراغ الصفحة، إحذف نقطتك بممحاة فاعلة ليصبح بياض الصفحة أكثر بياضاً و نصاعة…لا حاجة إليها كنفاية قديمة فى صندوق القمامة الكونىّ

To Be or not to Be

Be what?

OK, Be Free

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..