رابطة العصبة الحداثية الأدبية

يناير 7, 2009

السىء فى الأمر …لمدوح رزق..قراءة مجازية

السىء فى الأمر ….أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد

قراءة مجازية

هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر و القاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدى عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه…..مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أى من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة..مما يضع القارىء فى حيرة.

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة و التحيز، إنه يدين نفسه و يدين الأب و يدين الحياة ..مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية فى أن يصفها أنها ليست بالجميلة.

يقدم المجموعة بجملة إفتتحاية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحا ً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى “السماء” كل هؤلاء العميان)

و النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة و القصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، فى جملة مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، و تعطى للقارىء مساحة للتأمل و الإستبطان باستخراج مدلولات عدة.

هى لا تعطى إجابات على أسئلة و إنما تعطى أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة.

ليست الكلمات التى تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة و دلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقارىء حرية لتأويلها و بناءها من جديد، و يأتى ذلك عند نقطة النهاية التى دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات – كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية – لتؤسسه على ما إنتهيت إليه.

و الزمن له حضور قوى، حيث يكون فى معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى و الحاضر و المستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة فى تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، و من الزمنى و الغيبى تصوغ النصوص أحجية إعتراضية تبغى الحلول.

مرورنا اللحظى فى الحياة ما هو إلا بناءاً هشاً لبيوت رملية تأتى عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، … و ما الشواطىء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطىء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا ..نص( الذكرى السنوية)

شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هى إلا قناع كاذب لجذب الإهتمام و إقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط إهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، و لكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة..نص(الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق)

الشخصيات مشتتة ضائعة فى عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ، تتأمل فى سر الوجود و ماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية و الشك و الريبة و محاولة الإيمان بشىء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.
شخصيات تسير وحيدة بالليل فى الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها و تبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً و لو ضئيلاً أو ملولاً على إبتساماتها، لكنها فى النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل و تنتظر المصير فى سكون و ترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب و حسب..نص( تكره الإنتظار بجوار النافذة)

متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحا مثل حجر ألقى على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، و لكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلى، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهترىء الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر.

كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القارىء إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، و عند نهاية النص يكتشف القارىء موهبته فى ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب و إعادة الترتيب مرة و مرات، كأنما هو عالم مفكك و متشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القارىء، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارىء فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل فى جلسة ود حميمة.

الإنتظار محملاً بالدموع الساكنة فى تربص السقوط على عتبة الخد…تيمة أساسية
الإنتظار كحل مؤقت للحاضر و متأمِّل للماضى و متربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الإنتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر و حسب…ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر و ذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك و كينونتك فى واقع يمل المنتظرين و يخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً..أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر و إنما يتفاعل غير محتاج لشىء….أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر و لكن لتزاحم هذا الشىء الآخر و تجد لها مكاناً تركن إليه
فعلُ يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، إعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء….نص(حيث أنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة)

بين الألم و الخوف و الحزن و الإنتظار و الموت يتشكل السىء فى الأمر…إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم- إنها حالة من الوعى بالذات التى أصبحت وفقا لقوانين بسكال لاشىء، ضرباً من الوعى المرعب

تشكل مجموعة النصوص ( السىء فى الأمر) علامة إستفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شىء على ما يرام؟

إسلام يوسف
_______________________________________________________

الكتاب:السىء فى الأمر

المؤلف:ممدوح رزق

الناشر: دار أكتب للنشر و التوزيع2008

لذة أن تكون منتحراً..الإنتحار كفعل إرادى فى مقابل لا إرادية و لا أدرية العالم

الإنتحار كفعل إرادى فى مواجهة لا إرادية و لاأدرية العالم

أنا وجيه غالى و ماياكوفسكى و سيلفيا بلاث و إرنست هيمنجواى و فيرجينيا وولف و فان جوخ و آن سكستون و نيتشة و إنجبورج باخمان و فروغ فرخذاد و يوكيو ميشيما و آرثر كيسلر و داليدا و بوب مارلى…..إلخ إلخ

أنا كل هؤلاء..أعيش بلعنة الإنتحار..مهمل تستدلون عليه بظل

إن الإنتحار فى هذه الحياه ليس بالغ الصعوبة..إن بناء الحياة كما أعتقد هو الأصعب

عالمنا ليس معداً من أجل المرح..حياتنا تحتاج لإعادة ترتيب

الإنتحار ليس فعلا فسيولوجيا فقط، ما يميز الإنتحار عن الموت الفجائى و الطبيعى هو أن له طرق عديدة فى التطبيق، لمجرد أننى تشبعت بفكرة الإنتحار لا يهم بعد ذلك، الإنتحار الفسيولوجى يوازى الإنتحار السيكولوجى بالنسبة لى

هناك أناس منتحرين بيننا(فتش عن المنتحر) ستجده فى أشخاص لا يتخطون عتبة دائرتك المغلقة.

يلحُّ علىّ سؤال، يطرق رأسى بمطرقة عنيفة دقات متتالية مستمرة لا يصيبها الوهن: ما الذى أفعله هنا؟…. أمامى لوحات بيضاء لم تملأ بعد، ألوانى المائية و ألوانى الزيتية و أقلام الفحم و فرشاتى الممزوجة بالتربنتين..كلهم ينتظرون إشارة البدء

أوراق بيضاء كثيرة كثيرة تملأ الحجرة، قلم لا تستعصى عليه الكتابة، أوراق كثيرة حبّرتها

أحضر حفلات الأوبرا و أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية و الميتال و الهيب هوب و الجاز و الراب. قاعات السينما مازالت مفتوحة..هل أميل إلى الأفلام الرومانسية أكثر أم لأفلام الرعب أم لأفلام الحرب و الأكشن..أداء روبيرت دى نيرو ما زال يحيرنى و مارلون براندو يفتح عينى على إتساعها، تلال من الكتب تغلف الجدران مستلقية فى كسل تنتظر أيادى تشفق عليها

كأسك أيتها الأشياء الرائعة فى العالم، لقد لوّنتى فيلم حياتى الأبيض و الأسود بألوان مبهجة…ثم ماذا بعد ذلك؟!..هل أمثل فى مسرحية هزلية؟!!!!!! كَدُمية ماريونيت لم تحفظ دورها الغاية فى البساطة و السهولة ..و لكنها معلقة بخيوط واهية، تتلاعب بها يدٌ غير جديرة باستلاب الحركة

فى حالة إنتظار أبدىٍّ لا يمل من ترقب ما سيحدث، متأملاً فى غضب صور الماضى المتعاقبة من ذاكرة لا تهدأ و لا تكل، أقف بقدم ثابتة على أرض طينية لزجة تغوص فيها قدماى أو أسير على بحر أمواجه تصطخب فى عنف.

دون كيشوت ساذج يترنم بأغنية مثالية لكلمات لم يغنها أحدٌ بعد، سيف من خشب و طواحين متوقفة عن العمل من القرون الوسطى لا تسعفها الرياح على الدوران، حصان نتئت عظامه و لا يجد ما يقتات عليه، أراضى مفتوحة ممتدة بإمتداد البصر لا تُحَد، يجرى حصانى لا يوقفه الكلأ اليابس من حرارة الشمس و المحروق من أثر حروب دارت منذ زمن

أتحسس جسدى بالليل لأتأكد أننى لم أزل مكسوّ باللحم و لم أتحول إلى جسدٍ هشٍ من الأوراق، أتنشق أوراق، أستمع إلى حفيف الأوراق، أتذوق الأوراق، أتنفس أحباراً تنبعث من أوراق، أهضم أوراقاً، فضلاتى أوراق..أوراق..أوراق..أوراق..هنا و هناك فوق و تحت و عن يسارى و عن يمينى، جدران من الأوراق، مكتب من أوراق، منضدة للطعام من أوراق، أطباق من الأوراق، طعام من الأوراق…أوراق ..أوراق..أتحسس جسدى مرة اخرى

موبايل من ورق..أكلم أصدقاء ورق، كمبيوتر ورق، فيس بوك ورق، ..ورق إفتراضى، وول ورقى، فن وول ورقى، سوبر وول ورقى، صنوق بريد ورقى، أصدقاء ورق…حياةٌ تنزح نزوحاً إلى الورق و تفترض الحروف و الكلمات و الأصدقاء و المجتمع..هل أهرب من واقع يصطنع نفسه إلى واقع مُفتَرَض فى ذاته؟

يعتصرنى هاجس الإنتحار و يلح على تفكيرى، يملأ مسام جسدى و يبعث بها التسمم البطىء الموحى بوأد فعل الحركة فى الزمن، التعاقب لفظة حذفت من قاموسى، يتوقف الزمن لاماضى لا مستقبل، زمنٌ واحد يدق على باب الحجرة، ليست دقات متتالية، هى دقة واحدة متصلبة على غشاء أذنى، أتوجس من فتح الباب فأربض بجانبه أسده بكتلتى التى تملأ فراغاً لابد له أن يمتلىء..و بين هاجس مميت و توجس مرعب أسلِّى نفسى بشفرة موسىّ حادة أقطع بها جلدى و أتلذذ باللون الأحمر

هذا هو ما أدعوه العضو المنتسب..يتسلى حتى يصبح مؤهلاً تأهلاً كاملاً ليحوز كارنيه العضوية ويصبح عضواً عاملاً..عند ذلك و عند ذلك فقط لا يستطيع أى مخلوق أن يمنعه

كيف لكم أن تنقذوا الآخرين و أنتم غير قادرين على إنقاذ أنفسكم

الأرض مغلفة بالدم و الظلام و جبال الجليد تتجه إلى القلب

ليس الموت هو الذى يتهددنا فى كل خطوة نخطوها ..لكنها الحياة

أحتاج إلى تكنيك لا تغلفه الشفقة

أحياناً ما أتساءل لماذا معظم حالات الإنتحار بقطع شرايين الرسغ تكون فاشلة فيلحقون المنتحر فى آخر لحظة؟

ألا تكفى الدماء المصبوبة من جسده لكى تنفصل الروح؟ تك تك

جرعة كبيرة من الحبوب المهدئة أحياناً ما تكون غير فاعلة

أو أنبوبة الغاز ما أدرانى أنها تكفى، ممكن أن تكون فارغة أو نصف ممتلئة

أحياناً ما أحس أن رائحة الغاز تشكل لدى إدماناً كرائحة الدوكو

فى الأفلام القديمة و الحديثة التى تتحدث عن حقبة رومانية أو أساطير يونانية، دائماً ما يستعين المنتحر بشخص آخر كى ينقله بسهولة إلى العالم الآخر..لماذا لم يشكر يوليوس قيصر صديقه بروتوس؟..مفضلا كلمة: حتى أنت يا بروتوس

ليس معى ترخيص حمل أسلحة……….هل أنتظر الإنتحار فى كابوس مرعب؟

المنتحر ليس جباناً، إتخذ قراراً حقيقياً فىعالم قراراته باطلة فقام بفعله بجسارة يحسد عليها

جلسة يوجا…نعم جلسة يوجا هو ما يعوزكم، تأمَّل… هل تسير و تتقدم بإرادتك؟ أنت ترس صغير فى آلة فى مصنع لا تعلم عنه شيئاً..حتى لو علمت، أنت مجرد ترس لن يتعدى وظائفه..نحن البشر ترسانة من التروس على مر العصور لا تتوقف و لن تسمح لنفسها بالتوقف

أفعالك؟ هه..من العبث أن تسميها أفعالك..أنت فى منظومة يترأسها من هو أقوى منك، لن تقوَ على التمرد سترضخ أو تفتعل الرضوخ، لست أنت من يتحكم بك، طأطأ رأسك و لمع قفاك جيداً…هذا هو دورك

التليفزيون، السينما، الإعلانات المصاحبة، مالك الذى ينتجه عملك سيؤول إلى أشياء لم تخترها أنت..و إنما أملتها عليك منظومة إعلامية

تمردك الوحيد هو أن تنهى كل هذا..لك كل الحق إن فعلت..لن يدفعك شىء لذلك، دافعك الوحيد هو أن ترفض (وجود) لم تختر أن تكونه ب(لا وجود) إخترت أن تكونه

مازلت فى حالة إنتظار مؤرقة عاشها قبلى آخرون لم يموتوا منتحرين، لكن الفكرة كانت تستلبهم، تمرغ رؤسهم فى حمأة رمال غير ساكنة، لم تواتهم الجرأة ..لكنهم عاشوا بها..و لذلك ماتوا فى ظروف غامضة..محمد ربيع، جمال حمدان، بوب مارلى..إلخ إلخ

و آخرون ما زالوا ينتظرون..و هنا يأتى السؤال..ينتظرون ماذا؟

كلهم أبدعوا..كلهم تعذبوا..إنفض عنك اليقين، لا أرض ثابتة تحت قدميك، الريح غير ساكنة و المطلق لم يوجد بعد…إمح يقينك بأنك زائد و غير ضرورى..لا تصغ إلى أفواهٍٍٍ ستقول: لقد إنقضى أمرٌ تافه

إصرخ بصوت لن يصل إلى آذان غير مصغية: إنى أفتقد المعنى

نحن مجرد نقاط سوداء نملأ فراغ الصفحة، إحذف نقطتك بممحاة فاعلة ليصبح بياض الصفحة أكثر بياضاً و نصاعة…لا حاجة إليها كنفاية قديمة فى صندوق القمامة الكونىّ

To Be or not to Be

Be what?

OK, Be Free

شعر مترجم .. غنائم و انتصارات ..

تقديم :

الشعر فن أدبي راقي , في الأدب العربي يُعتبر الشعر واجهة التعبير الذاتية الأولى عن المشعر و الأحاسيس , طالما حظي الشعراء بمكانة مرموقة قديما في الوسط العربي القبلي القديم , ثم مرورا بالعصور المتتالية لم يتقهقر الشعر عن مكانته كثيرا , لا يزال يمتلك مفاتيح القلوب العطشى للرنين الشعري الخلاب .. طوال تلك المدة شهد الشعر تطورا كبيرا في كثير من جوانبه , لكن لم يكن الأمر قاصرا على الوطن العربي فقط , فالشعر مكانته سامية في الثقافات الأخرى , لكن لكل ثقافة أسسها الخاصة في شعرها ..

حضرت يوما نقاشا في أحد دور النشر الكبرى بمصر حول الشعر المترجم , كان أحد المتناقشين شابا مثقفا ترجم شعرا روسيا على ما أذكر , و قد كان الطرف الآخر للنقاش شاعرا كبيرا , تناول النقاش جوانب الشعر من ترجمة حتى تصحيح و تعديل ..

أتذكر أن النص المترجم حاذ على اعجاب الشاعر الكبير , و قد أثنى على تعديلات الشاب الأدبية التي أضافت رونقا للشعر و أخرجته من حيز الترجمة النصية المملة و الخاطئة لحيز الترجمة الاحترافية ..

و تدرج النقاش ليشمل فيما بعد مشكلة ترجمة الشعر من ثقافة لأخرى , فيجب على المترجم أن يكون ملما باللغة أولا , سواء العربية أو التي يترجم منها , ذواقا للشعر ثانيا , عالما بأسسه و قواعده في الثقافتين , و يا حبذا لو كان كاتبا للشعر .. ثم يتجه لنقاش حول طريقة تعديل النص الشعري دون الاخلال بالمفهوم , و هذا عن طريق استبدال الكلمات المباشرة بكلمات أخرى جديدة تضيف بعدا آخر للمعنى المراد للنص الشعري .. وهنا يكون التحدي الأكبر ..

يقولون دوما أن القراءة للنص في لغته الأصلية يكون أقوى و أجمل , نظرا لأنه يحتوي على المعاني العميقة فيه , لكن حين الترجمة يفقد النص عمقه الأدبي و الفلسفي , و لهذا يكون سطحيا بصورة كبيرة .. لكن حين نجد أن المترجم قد أضاف بعدا من عنده يقارب البعد الأصلي للنص , حينها لابد و أن نحيي المترجم بكل قوة .. بل و نشجعه على ترجمة المزيد و المزيد ..

هنا , نص جميل أعجبني , لأديبة راقية , الأستاذة ليلى الهاشمي , ترجمت نصا أدبيا شعريا , و هنا ستعرفون ما عنيته بالبعد العميق للكلمات و التعديل على المعان الأصلية بكلمات جديدة تضيف رونقا للشعر في لغته الجديدة ..

ستجدون هنا النص المترجم بصورة نهائية , ثم النص الأصلي , ثم الترجمة الحرفية .. و أتمنى أن تكون الفكرة واضحة للجميع .. و أتمنى أن نجد مترجمين على نفس القدرة الأدبية للأديبة ليلى , أو ياحبذا لو كانت أعلى ..

أحمد خشبة ..

* أترككم مع النص :

بقلم\ ليلى الهاشمي ..

سأصمت عن مآسينا وترديد الحكاياتِ
وتاريخ يحطمني كأخبار الفتوحاتِ
فقد قلنا وقد قمنا بإنهاء الحساباتِ
رميت بكل أحجاري
وأنهينا النزاعاتِ
لتجمع من فلاة العمر
غنائم وانتصاراتِ
وكانت تلك أقداري
فلا تأبه لعبراتي
* * *
لجأت لحضنك الدافي
لتشعل مني ظلماتي
لتحميني
وترويني
وتؤنسني
فخلواتي
وكنت أظن جاهلة ً
بأنك قصر مملكتي
وأني فيه حاكمة
ينادوني بمولاتي
وكانت غلطتي أني
أراجع كل خطواتي
وأمشيها كدستورٍ
لقانون العلاقاتِ
* * * *
فصارحني بل أصدقني
أتشبه في رحيق الحب
وإحساس كقبلاتي ؟
أتسمع اسمك الغالي
كما كانت نداءاتي ؟
أحس بنبضك الحاني
لأيامي والحاني
وأشواق أحس بها
لأحضاني وخلواتي
* * * *
هنا في عمق إنهاكي
أوقع بالتزاماتي
أصول اللعب قانون
يؤكد لي انهزامات ِ
وقاض يصدر الحكم
ملفاتٍ وجلساتِ
وتفتح جلسة أخرى
وتحرقني بآهاتي
بآخر قاعة النقض
صريحا يصدر الحكم
ويرمقني بنظراتِ
عزيزا سوف أفقده
ويحبسني بحسراتي
فتأتيني تصافحني
وأرفع رأسك المحني
لتغمرك اعتذاراتي
* * * *
سأصمت عن مآسينا وترديد الحكاياتِ
وتاريخ يحطمني كأخبار الفتوحاتِ
فقد قلنا وقد قمنا بإنهاء الحساباتِ
رميت بكل أحجاري
وأنهينا النزاعاتِ
لتجمع من فلاة العمر
غنائم وانتصاراتِ
وكانت تلك أقداري
فلا تأبه لعبراتي

النص الأصلي

The Winner Takes It All
Written by – ABBA-Andersson & Ulvaeus

I don’t wanna talk
About things we’ve gone through
Though it’s hurting me
Now it’s history
I’ve played all my cards
And that’s what you’ve done too
Nothing more to say
No more ace to play
The winner takes it all
The loser standing small
Beside the victory
That’s her destiny
I was in your arms
Thinking I belonged there
I figured it made sense
Building me a fence
Building me a home
Thinking I’d be strong there
But I was a fool
Playing by the rules
The judges will decide
The likes of me abide
Spectators of a show
Always stand alone
The winner takes it all
The loser standing small
Beside the victory
That’s her destiny
So tell me does she kiss
Like I used to kiss you
Does it feel the same
When she calls your name
Somewhere deep inside
You must know I miss you
But what can I say
Rules must be obeyed
The judges will decide
Their minds as cold as ice
And someone way down here
Loses someone dear
The winner takes it all
The loser standing small
It’s simple and it’s plain
Why should I complain
I don’t wanna talk
If it makes you feel sad
And I understand
You’ve come to shake my hand
I apologize
If it makes you feel sad
Seeing me so tense
No self-confidence
(But you see)
The winner takes it all
The loser standing small
Beside the victory
That’s her destiny

الترجمة الحرفية للنص

لا أريد أن أتحدث
عن أي مما مررنا به
ولو كان يؤلمني
قد أصبح الآن ماضيا
قد لعبت كل أوراقي
وهذا ما فعلته أنت أيضا
لا شيء آخر يقال
لا أوراق فوز أخرى تلعب
المنتصر يحصد كل الغنائم
والخاسر يقف ذليلا
بجانب الانتصارات
ذلك هو قدرها
قد كنت بين ذراعيك
أظن أنني أنتمي إليه
ظننته منطقيا
أن أبني لي سياجا
أن أبني لي منزلا
لأحس فيه بالأمان
لكنني كنت غبية
ألعب حسب القوانين
سيقرر القضاة
الرضا عن صمودي
ومشاهدي المبارة
دائما يقفون منفردين
لكن قل لي هل تقبلك
كما كنت أنا أقبل
هل هو نفس الإحساس
عندما تنادي اسمك
هناك في أعماقك
بالتأكيد تحس بشوقي لك
لكن ماذا أقول
القوانين يجب أن تنفذ
القضاة سيصدرون الحكم
وبأعصاب كبرود الثلج
وبمكان ما هناك
يفتقد شخص عزيز
لا أريد أن أتحدث
إذا كان ذلك سيحزنك
وأنا أستوعب
أنك ستأتي لمصافحتي
أنا أعتذر
وهاأنا كما ترى
فاقدة للثقة بالنفس

نقد في فيلم : جــــــودهــــــا اكـــــبــر : ومحاولة لصنع فيلم إسطوري

منى الدواخلي
مبدئيا هواه الطوب و الزلط من اولها كده كيلو الطماطم اللي هيتحدف بيه الموضوع من علي حسابي
بعد قراءه العديد و العديد و العدييييييييد من اراء النقاد علي الفيلم خدت انطباع انه اما فيلم راااائع قوي اما فيلم واااااقع قوي و في حاله مجامله عاليه له بسبب اسماء النجوم و المخرج و باقي الكاست المميز ممن وراء الكاميرا ( الله ركها رحمن – جافيد اختر للأغاني مثلا)
بعد مشاهده الفيلم .. الاراء النقديه في وجهه نظري مزيج من هذا و ذاك ..شويه نفاق علي شويه اراء سليمه

و بعيد عن الكلام المنمق عشان انا بكتب الموضوع ده و انا لسه شايف الفيلم حالا و معنديش حيل للكلام المنمق الانيق.. و ده انطباع مبدئي عن الفيلم … الفيلم راعي حاجات كتير.. شله البنات بتوع ثانوي اللي عايزين يشوفوا العيون الخضر الدبلي لهرثيك روشان هيلاقوا اللي عايزينه و دول اكتر ناس طلعوا كسبانين من الفيلم.. هواه الفخامه و الثراء البصري سواء في ديكور او ملابس او مجوهرات هيلاقوا اللي عايزينه برضه ، هواه المعارك و الاكشن ..هيلاقوا كل اللي نفسهم فيه كذلك ، هواه الاغاني الناعمه .. لا يعلي علي الحان الله رخا رحمن اساسا ، هواه الأستعراضات مش هيلاقوا و ده من حسنات و عيوب الفيلم و هنتكلم في النقطه دي بعدين ، اما هواه الفرجه علي الجمال الاسطوري لأيشواريا راي – و انا منهم بالمناسبه– .. دول اللي هيطلعوا خايبين الرجا
************************
************************

القصه معروفه طبعا للجميع من كتر الدعايه اللي اتعملت للفيلم .. زواج السلطان جلال الدين اكبر من اميره هندوسيه و محاولاته لكسب قلبها .. الخ و يتخلل ذلك صراعات من العزول و عدد من الصراعات السياسيه

الفيلم مدته تلات ساعات و تلت تقريبا .. عابه طوله الرهيب اللي يكسر ظهرا لمشاهد من كتر الجلوس امامه .. السيناريو متماسك جدا بس طبعا مقدرش احكم علي الحوار دلوقت نظرا لأن الترجمه المتوفره سيئه جدااااااااااا .. عاب الفيلم بعض الاطاله في عدد من المشاهد (بصراحه منتهي الاستفزاز ان احد الشخصيات هيدخل قاعه مثلا عشان المشهد يتم و يبتدي الحوار فالمشاهد يتمشي مع الشخص ده 100 متر تقريبا لحين الوصول لهدفه!!!!!) .. اعتقد لو اختصرنا شويه في مشاهد التمشيات في الفيلم ممكن نقلل تلت ساعه مثلا .. كذلك مشاهد الصلوات الهندوسه الطوييييييييييييييييله قوي.
لكن عموما يظل كل الشكر للمخرج انه رحمنا من فكره الدين الالهي اللي عملها اكبر و تجاهل عرضها تماما

****************************
لو جينا للممثلين بقي و الكلام عليهم شكلا و اداءا لأن في حاله بعضهم الشكل كان له تأثيره علي الاداء

ايشواريا راي مكانش لها الشكل الامثل لتصوير كتير من المشاهد.. خصوصا في النصف الاول من الفيلم ..شكلها في حاله شحوب مرضي و هالات سوده ضخمه و انتفاخات تحت عنيها يخلي المشاهد اول حاجه يفكر فيها ان عندها انيميا حاده !! او في خلل بالغده الدرقيه نظرا لحاله الجحوظ اللي فيها عنيها

.. طبعا في البدء تخيلت ان ده بسبب عدم التعود علي شكلها بالعدسات الغامقه واللي بالمناسبه .. مره واحده تخلت عنها في النصف الثاني من الفيلم !!!! و اكتفي المخرج ببعض العاب الاضاءه لتظهر عنيها داكنه
مشهد المبارزه بتاعها (واضح انه من اوائل المشاهد اللي اتصورت ) لا يمكن تصديق ان واحده بالهزال ده ماسكه سيف و بتبارز شخص له البنيان العضلي لهرثيك روشان و تتغلب عليه في بعض المرات !! غير ان تصميم المبارزه نفسه مش قوي بالدرجه
لكن يظل من اجمل تعبيرات قدمتها في الفيلم و الغل و الغيظ اللي بتبارز بيه يشد عين المشاهد معاها طول الوقت
مجملا مقدرش اقول ان الفيلم افضل اداء لها لكن مبدئيا هو مش الاسوأ لكن هي مش في احسن حالاتها لا الصحيه و لا التمثيليه و لا الشكليه
..يمكن لها مشاهد مميزه قوي (مشهد رؤيتها لأحد عمليات القتل في القصر) لكن ده غير كافي.. طبعا انا عارف ان في ناس هتتكلم علي صدق ادائها ..بس بصراحه محستوش طول الفيلم الا في مشاهد قليله.

هرثيك روشان لا بأس واضح ان النقاد جاملوه قوييييي .. مع الاسف مالوش الهيبه القويه اللي الواحد كان بيتمناها لدور ملك زي ده و الكلام بصوت تخين لا يفي بالغرض و لايصنع هيبه..مجملا اداءه جيد جدا لكن له بعض مشاهد قليله اسلوبه اقرب لطفل بيقلد ممثله المفضل امام مرآه..خصوصا مشاهده و هو بيصلي او بيدعي كذلك مشهد الاغنيه بتاعت خوجا .. و هو بيلف مع الدراويش..تعبيرات وشه لا تدل اطلاقا علي حاله الصوفيه المطلوبه في هذه اللحظه لكن تدل علي انه واحد من مجاذيب السيده بالكتير قوي

له مشاهد حلوه خصوصا في التعبير عن الغضب.. الوجه المكفهر لما سمع ان جودها لها شروط عشان تتجوزه و بعدين لما فهم انها بتحاول تحط له العقده في المنشار زي ما ما بنقول في المثل المصري و تطفشه من الجوازه.

تعبير وجهه بعد زواجهم و اول دخول له في الخيمه بعدين محاولته لمس ايديها و نظره الاستمتاع علي وجهه لما سحبتها في الغالب لتفسيره

ذلك بنوع من الخجل بعدين تحول الاستمتاع ده لغضب لما فهم انها نافره منه لما انكمشت بمجرد ما لمس كتفها.


مشهد تدريبه وحده علي السيف .. و طبعا هنا المخرج قام بالواجب عشان يستعرض القوام و البناء العضلي المميز لهرثيك عشان البنات اللي في تانيه ثانوي و العذاري الحسان لما يشووفوه يغمي عليهم علي طول علي رأي نيها .. هنا لما حس انها بتتفرج عليه و ابتدي فعلا يستعرض في نفسه قدامها .
مشهد مميز مع اعتراضات الشيوخ المسلمين علي زواجه منها و التداعيات السياسيه و الدينيه للموقف و اعتراضهم علي وجود معبد هندوسي

في المنزل و نظره التردد علي وجهه و قبل ما يرد يبتدي يعلي صوت غنائها بترانيم العباده و التساؤل اللي بيظهر علي وجوه كل الموجودين ساعتها و هو ماشي ورا الصوت بعدين ينتبه و يلف بأرتباك للموجودين و يقول لهم ان الاجتماع انفض.

**************************

الممثلين الثانويين

اغلبهم كويس خصوصا المربيه ..جبااااااااره لو هختار لها مشهد واحد يدل علي ادائها.. مشهد طردها و من التجبر الي الذل ثم التوسل بالنظرات في ثوان معدوده

سونو سوود في دور اخو جودها (معلش مش فاكر الاسم)انا شايف ان دوره جيد و انه عمله حلو ما عدا مشهد الوفاه (محدش بيعرف يموت زي شاروق برضه الظاهر ان ده تخصصه لوحده)

الام (Suhasini Mulay) معجبنيش اداءها لا هي و لا شقيقه جلال الدين (Punam Sinha) و لا اللي مثل شريف الدين (Nikitin Dheer)

**************************

الموسيقي

من الذي لا يعشق الله رخا رحمن و موسيقاه ؟؟

رائعه .. قويه فخمه عند المعارك او مشاهد الغضب .. ناعمه رقيقه كالحرير عند مشاهد الحب او التفكير في الحبيبه خصوصا في مقطوعه قصيره جدا امتداد اغنيه الترانيم الهندوسيه اللي جودها بتغنيها و بعدين لما تلتفت فجأه تجد اكبر ناظر لها و الارتباك علي وجهها ثم وقوفهم امام بعض و هو مش عارف هي مفروض تعمل ايه بالطبق اللي فيه النار المقدسه بتاعتهم و باصص له في حيره شويه و هي مش عارفه تتصرف كأي زوجه هندوسيه و تباركه بيها و لا لأ.. الموسيقي شالت كتير قوي من تعبيرات الممثلين الضعيفه في المشهد ده و كانت البطل الاول و الاخير فيه في لحظات الصمت طوال المشهد ..

لكن عوده لأداء هرثيك تعبيره الصامت بعد انتهاء المشهد ده و خروجه من عندها ..جميل جدا شئ من النشوه و الانبهار علي وجهه محتمل بسبب رؤيه و جهها لأول مره او لأن بدأ أول احساس حب ناحيتها و ده الغالب.. ايا كان المقصد من وراءه علي غير العاده هرثيك عرف يعمل تعبير نشوه مميز جدا وصل للمشاهد بسلاسه غريبه عليه و علي اداءه المفتعل في الحالات اللي زي دي في ادواره السابقه .. تطور يحسب له بالمناسبه.. و يحسب من سحر المشهد اللازمه الموسيقيه لأغنيه Mann Mohana بصراحه مقطوعه حسستني اني فوق السحاب

*****************************

الاغاني


مبدئيا انا معرفش اغنيه Khwaja Mere Khwaja ايه الهدف منها !!! لا تصوير مميز و لا حركات و لا اي حاجه تقريبا ..و طويييييييله جدا يعني يمكن الشئ المميز الوحيد فيها حركه ايدي المطربين و تصفيقهم بتنغيم و حركه معينه مع الموسيقي ..غير كده الكاميرا و تركيزها العجيب علي وجوه المطربين الثلاثه الفاتنه لدرجه عد حب الشباب او الوحمات و النمش في وجوههم و الله يعين اللي شافوا المنظر ده سنيما

اغنيه Azeem-O-Shaan Shahenshah فيها شويه زوايا تصوير لا توصف سوي بالغباااااااااااااااء بجد تشويه للأغنيه ..استفدت ايه انا لما اتفرجت علي شويه جونلات رجالي و رجلين بتمشي و تتنطط حتي مش حركه سيقان متناسقه سوا عشان تقدم حاجه او تناسق عضلي او اي حاجه كده ..لا دي زاويه عجيبه كده مفهمتش منها حاجه.. علي ما يبدو ان تصوير الرقصات خصوصا اللي فيها عدد ضخم من الراقصين مش المنطقه اللي ممكن اشوتوش جواريكر يقدر يلعب فيها براحته (مش زي كاران جوهر و سانجاي ليلا بنسالي مثلا اللي عندهم قدره غريبه علي التحكم في اعداد ضخمه من الراقصين ) يعني مالوش فيها قوي .. يعني في افلامه السابقه زي لاجان مثلا كان عدد الراقصين اقل او الرقصات فرديه فيسهل التصوير بدون بعككه زي اللي حصل هنا.. يمكن عشان كده حاول يلهي المشاهد بالالوان المتعدده
و المنوعه.. يعني قدم متعه لونيه و تصوير فاشل للرقصه و تصميم حركي غير مميز لها الا في اجزاء بسيطه قوي منها (حركه الدوائر البشريه حول اكبر و هو علي ظهر حصانه)
اغنيه In Lamhon Ke Daaman Mein اولا الاغنيه سماعها في حد ذاتها لهواة الموسيقي الشرقيه ..متعه ما بعدها متعه .. و كخلفيه للمشهد العاطفي في الفيلم تعتبر موفقه الي حد كبير جدا لكن عيبها بس انا في مناطق حماسيه عاليه شويه فيها لدرجه اني فكرت انها متاخده من السلام الوطني البلغاري .. عامة المشهد العاطفي في الفيلم طويل زياده (حوالي السبع دقايق المحذوفين من نسخ كتير قوي و انا شخصيا شفته في نسخه تانيه بدون ترجمه) منكرش اني مليت شويه و انا بشوفه خصوصا انهم جابوا الاغنيه كامله فيه لكن ارجع و اقول ان وسط كل الرغي السياسي الطويييييييييييييل جدا و اللف و الدوران فيه و الخناق اللي شغال طول الفيلم دي ممكن كتير يعتبروها منطقه ترفيه شويه في الفيلم.


اغنيه Jashn-e-Baharaa طبعا احنا مش مختلفين علي جمال الاغنيه و اجمل ما فيها انها كانت خلفيه رائعه و موفقه جداااااا لمشاهدلقصه الحب و بداياتها و تطورها بين اكبر و جودها خاصة من ناحيه اكبر اولا .
طبعا اغنيه الترانيم الهندوسيه Mann Mohana دي مالناش دعوه بيها دي حاجه كده لازم تنحشر و خلاص عشان حضرته يعرف انه بيحبها او يبتدي يحبها كأن مكانش في اسلوب تاني يقابل بيه مراته اللي عايشه معاه في نفس القصر و لو صدفه .. لكن اسجل اعجابي العميق بصوت المطربه..علي الاقل مش زي الاصوات المسرسعه المعتاده للمطربات الهنود و اللي معرفش تقييمهم لجمال الصوت الانثوي بيتم علي اساس ايه بالظبط.

******************************

طبعا الفيلم فيه مشاهد مميزه كتير.. يعني السيناريست تقريبا مكانش وراه حاجه غير انه يعمل مشاهد مفصليه او مميزه في مواقفها بحيث انها تعلق في الذهن لسبب او لآخر..

مشهد الوليمه الملكيه مشهد فعلا يفكرك بالمثل المصري واحد اتكبس دمه اتحبس طق مات ..جودها طبخا الوليمه له و المربيه اصرت انها تاكل الاول للتأكد ان الطعام غير مسمومو احرجت الملك انه لازم يوافق علي انها تاكل الاول.. ثم اكلها و رده بعد كده كأكرام لجودها انه طلب ياكل من نفس الاطباق اللي هي اكلت منها (كبسسسسسه للمربيه و تعبر وجه مكفهر و محرج و غاضب منها يستاهل انها تاخد جائزه احسن ممثله مساعده السنه الجايه) تلي ذلك اللؤم الانثوي اللي مفيش فايده فيه ابدا : و صياح جودها المفاجئ : لا تأكل من هذا الصنف


الترقب اللي ظهر علي وجوه المدعوين مع الموسيقي المثيره ..بعدين المبرر المضحك ..ملحه ناقص ثم نظره كلها لؤم وخبث و سيطره من جودها للمربيه اللي تعبير وشها كالعاده يدل علي الكبسه.
استكمال للخبث الانثوي .. لما خلت كل جواري و نساء القصر يقفوا مغطيين و جوههن و دخوله و الابتسامه الدبلوماسيه المعتاده علي

وجهه رغم ان عنيه بتلف في كل واحده و بتدور عليها (مفيش فايده في الستات) لكن يظل اجمل ما بالمشهد الموسيقي الرائعه لـ الله رخا رحمن و اللي لتاني مره هي بطل المشهد مش الممثلين.

***************************

طبعا انا من اشد معجبي و محبي اشوتوش جواريكر.. و عارف انه قعد 9 سنين بيعد للفيلم .. و سنه و نصف تصوير.. طبعا قدره هائله علي التحكم في التفاصيل و اختيار موفق لغالبيه الممثلين.. و فعلا تحس انه مالك ادواته ..

لكن مش كلها..في طبعا هنات ..بتظهر في بعض المشاهد خاصه في مشاهد المعارك و اللي ظهر فيها افضل و اسوا مشاهد الفيلم في رأيي ..طبعا بالاضافه لمشاهد اخري بصراحه مفهمتش فيها بعض النقاط او حسيت ان فيها عيوب معينه

مشهد اكبر و هو بيكلم مربيته العجوز و شايف جودها من بعيد و سرح فيها..ده مشهد غبي لأن الكاميرا لما ركزت عل صوره جودها كانت صورتها هي مشوشه في حين صوره المربيه عليها التركيز رغم ان مفروض يكون العكس علي الاقل لمده اطول من الفمتو ثانيه اللي اتعملت .
مشهد الصلاه قبل اعلانه قبول الزيجه .. و هو بيصلي قدام حيطه او نافذه مخرمه و مليانه شرايط سود مربوطه فيها … ايه ده؟؟؟ يعني تخميني الشخصي ان الجهل المعتاد بتاعهم ان الله لازم يكون مرئي النتيجه ان زي ما بيركزوا علي الاله بتوعهم في اوقات الصلاه بتاعتهم … ركز علي الشباك العجيب ده و لو ان ده مفسرش ليا الشرايط السوده !!

مشهد الفيل ..مفترض انه عشان ملك راجبوت ينبهر بشجاعه و اقدام اكبر لكن ظروف اخراج المشهد و اسلوب التصوير فيه تكفل بأنه يكون اكثر مشاهد الفيلم سذاجه و غباء و تخلف .. و اصلا شكل هرثيك و هو بيتنطط امام الفيل شكله زي البرغوت و مش لاقي وصف تاني غير كده و اللي رافع الطوب ده ينزله مش وقت تحديف بيه دلوقت

المعارك .. المبارزات الفرديه غالبا جيده الي جيده جدا يمكن فيها بعض الهنات و الضعف في عدد منها

لكن مبارزات المعارك دي بقي زي ما تكون مبارزات بإبر تريكو مش بسيوف .. و اكيد كلنا لنا ذكريات الطفوله و المبارزه بإبره تريكو مع اخواتنا ..مشاهد المعارك دي بقي رجعتني سنين لورا لما كنت ببارز اخواتي بأبره !!!.. واضح ان المخرج اهتم بتدريب ابطاله الاساسيين و نسي تماما الكومبارس او علي الاقل اللي هيركز عليهم منهم .. يعني المعارك اقوي مشهد فيها مشهد الالتحام الاول و بعد كده بخخخخخخخخخ … مفيييييييييييييش

لكن احلي ما في المعركه الاولي .. لحظه جري الجيشين علي بعض ثم الصمت المفاجئ للموسيقي اثناء هذا العدو و بعدين عوده الموسيقي مر واحده قبل التحام الجيشين مباشره ..حركه خلت المشاهد في ترقب للحظه تلاقي الجيشين.

افضل معركه .. اخر مبارزه خالص بين اكبر و شريف الدين .. اجمل ما بها .. ان الضرب حقيقي ..مفيش نظريه الحبال اللي بتطير الخلق و السخافه اللي زرعها فيلم ماتريكس في كل افلام و مشاهد الاكشن بلا ادني استثناء .. الي حد ما فكرتني شويه بمعركه هكتور و اخيل في فيلم تروي … و ن كانت هنا اكثر ادميه (صحيح فيها حته هتش كده ..يعني مش ممكن اني ارزع واحد بوكس في بطنه و هو لابس درع حديد و يحس بيه و انا اللي ايديا متتكسرش)
الديكور و الملابس

انا شخصيا مظنش الناس دي تعبت كتير في حاجه ماشاء الله القصور الهنديه الحقيقيه اللي جابوها تكفلت بأطلاق المقوله الشهيره جتنا نيله في حظنا الهباب من جوايا بحراره .. يعني بأختصار رائع رائع رااااائع و خاصه اشكال العروش و المقاعد(دي عندي شئ من الخلفيه عنها من تصفحاتي المحدوده في كتب الكليه بتاعت اختي) فعلا منتهي الاتقان… لكن مش متعه بصريه

المتعه البصريه في فيلم زي ساوريا او زي ديفداس ..ممكن في اومراو جان .. هنا الديكورات عباره عن الفخامه التي تخطف الانفاس ..لكن مش الجمال اللي يخطف الانفاس زي الافلام السابقه

الملابس .. انا مش خبير ملابس طبعا لكن الفخامه في الفيلم كله هتخلي واحد مبياخدش باله حتي من الهدوم اللي هوا لابسها زي حالاتي ياخد باله من تكلفه الملابس العاليه جدااااااا و تكلفه المجوهرات و اللي في العادي برضه استحاله انتبه لها لكن هنا شكلها و فخامتها تخلي الاعمي نفسه يفتح عشان يشوفها.

المكياج


مظنش ان كان في ماكيير اصلا في الفيلم

اللي يخلي هرثيك روشان مغولي اشقر بعيون خضر و شعر كيرلي معرج

و يخلي واحده شكل ايشواريا راي تطلع بكل هذا الشحوب و القبح و الجحوظ العجيب بدون حتي محاوله اخفاء كل ده

يبقي النتيجه اللي تطلع بيها ان اكيد مكانش في ماكيير

***************************

اخيرا ..جودها اكبر فيلم تاريخي سخي الانتاج .. و اعتقد انه من الافلام اللي هتترك علامه في تاريخ السنيما الهنديه عن كيفيه صناعه فيلم بدون قصص جانبيه و بدون حشر توابل و بهارات كتير بداع و بدون

قراءة في رواية .. بنات إيران

بنات إيران “رواية”

تأليف: ناهيد رشلان. روائية إيرانية تعيش في أمريكا.

عدد صفحاتها: 303 صفحة

ترجمة: عمر الأيوبي

الناشر: دار الكتاب العربي

اشتريتها من مكتبة جرير بـ 39 ريال

ماذكر في الغلاف الخلفي للرواية:

[ سيرة ذاتية للروائية “ناهيد رشلان” تسرد فيها قصة أسرة إيرانية وترفع النقاب عن التعقيدات التي ترافق كل امرأة تترعرع في مجتمع ذكوري. حزن ” رشلان” منعها على مر السنين من سرد سيرتها الذاتية لتخبر كيف اختلفت حياتها عن حياة “باري” شقيقتها الحميمة. في عمر المراهقة، رفضتا التقيد بالأعراف السائدة وحلمتا بخوض غمار الأدب والمسرح، فكانتا تقرآن سرا الكتب الممنوعة وتمثلان قصصا رومنسية. وفجأة انقلبت حياتهما، حين أجبرت “باري” على الزواج من رجل ثري وقاس جعل منها أسيرة منزلها. تفادت “ناهيد” الاقتران بشخص يختاره والداها، فطلبت من والدها متابعة دراستها في أمريكا.

بعد أن اشتهر اسم “ناهيد” في مجال الأدب في الولايات المتحدة وتحررت من قيود عائلتها، تلاشت أحلام “باري”… فقد قضى زواجها على آمالها وطموحاتها. وحين تلقت “ناهيد” خبر وفاة “باري”، عادت إلى إيران، التي أصبحت تحت حكم نظام إسلامي، لتعرف ما حدث مع شقيقتها العزيزة، وتواجه ماضيها، وتقيم ما يخبئه المستقبل لمنسحقات القلوب.

كتاب “بنات إيران” لا يحكي قصة “ناهيد” فحسب، بل يجمع حياة كل من خالتها ووالدتها وشقيقاتها في رواية تتناول موضوع الحزن والرابط الأخوي… والأمل”

……..

” أجل يا عزيزتي باري، لأعيدك إلى الحياة كتبت هذا الكتاب “

هذه آخر عبارة في الرواية.. باري التي سعت مع ناهيد، إلى تحقيق حريتها، وأحلامها وطموحها بأن تصبح ممثلة، ولكن لم تستطع رسم مجرى حياتها كما أرادت. فتزوجت ما أراده أبوها، لا ما أرده قلبها. ومنعت من حلمها بالتمثيل، ولم تستطع الحصول على أبنها أو رؤيته بعد طلاقها، لتعيش باقي حياتها في أمل الحصول عليه أو رؤيته. وعندما وصلت لها رسالة من أبنها كانت ميتة.. وهل هي من اختارت أن تموت أم لا؟!

أما ناهيد تهرب من المجتمع الذكوري، والذهاب إلى أمريكا، لتناشد حريتها، وذاتها، ولكن هل حققت الأمان الداخلي؟

“كم كنت أسعد لو أمكن مزج حياتي الحاضرة مع حياتي في تلك الأيام الغابرة. ربما لن أشعر بالحطام في داخلي، والشوق، والحسد لكل من لديه اتصال سهل بالوطن والأحبة. إنه الثمن الذي أدفعه للاستقلال الذي قاتلت بشدة من أجله”

الرواية تتحدث عن حياة كاتبة الرواية ناهيد رشلان، وأختها باري، ومحيطهما أبها، أمها وأخواتها وخالاتها، والمجتمع الذي عاشت فيه. فقد بينت السلطة الذكورية التي كانت تحدد مصير فتيات العائلة، وكيف كانت هذه السلطة سببا في فقدان العائلة!

كما إنها تحدث عن فترة الشاة، وكيف كان السافاك الذي أنشأة الشاة بدعم من السي آي إية بعد الانقلاب الأول عام 1954. ومن ثم ثورة الخميني، وما هي الفوارق التي رأتها بين النظامين. ففي نظام الشاة بالنسبة للمرأة سمح لها أن تعيش حياة عصرية، ولكن لم تزال السلطة الذكورية، التي في الواقع كان يمثلها الشاة، مع إنه كان يدعوا إلى الحرية. أما في نظام الخميني أجبرت المرأة بارتداء الشادور، وألقيت بعض القوانين التي تخص المرأة، والتي لم تطبق أيضا في نظام الشاة.

الرواية بصفة عامة جميلة، وبها نبرة صدق، وخاصة إنها تتكلم عن حياة الكاتبة. كما إنها استطاعت أن تعبر عن شعور الكثير من الفيات، وذلك من خلال سرد شعورها، وما تلاحظه من حولها.

أحسست أن الرواية موجة لي، أنا الذكر. لتقول لنا أنظروا ماذا يحدث لنا عندما تتخذون قرارا دون إعطائنا إي أهمية، هب ترضون بذلك؟ لذلك أعتقد إن الرواية ستضل لفترة طويلة في داخلي، بل ربما ستشكل جزء من نمط حياتي!

ردًا على ( مدونون مغتربون ) لـ السيد ياسين!

من الطبيعي أن تلقى كل يوم من يتحدث عن فئة المدونين كمن يتحدث عن آفة دخلت المجتمع الحديث بغرابة .
ربما يتحدث عن أطفال الشوارع بموضوعية أكبر ، لأنه يفهم ظروفهم وحياتهم أكثر .
وربما ينتهي إلى أنه من الأفضل تجاهل المدونين ، ليكفوا عن هذا الشغب وتصديع الدماغ .
ومن الطبيعي أن يكون رد فعل المدونين في الأغلب عدم الالتفات إلي هذه النوعية من الكتّاب ( أو من اصطلح على تسميتهم كتّاب ) . ليمضي كلٌ في طريقه .
لكن حينما يبدأ في تناولنا ، مفكر في حجم وعقلية الأستاذ ( السيد ياسين ) ويتعثر في محاولته لفهم هذا الجيل الجديد من المدونين فلا بد أن يلتفت البعض منا . ويحاول أن يستمع إليه قليلاً ، فلربما وصلنا لمناقشة جديرة بأن توصلنا إلى درجةٍ أعلى في محاولة فهم أنفسنا وفهم مجتمعنا وكشف بعض الغيوم في مسار حياتنا .
ففي مقاله المنشور في الأهرام بتاريخ 19/6/2008 ، تحت عنوان ( مدونون مغتربون ) . بدأ السيد ياسين حديثه بأن بعض المدونين تعجلوا في طرح أفكارهم في كتب مثل ( عايزة أتجوز ) ، ( أرز باللبن لشخصين ) ، ثم الكتاب الذي قدمته دار العين بالاشتراك مع دار مزيد ، بجمع كل من : محمد كمال حسن ، و مصطفي الحسيني ، والغريب أنه لم يذكر الكتاب الأخير الذي قدمته دار اكتب تحت مشروع ( مدونات مصرية للجيب ) .
والحقيقة أن خروج المدونات في شكل كتب كان مفاجأة لأصحاب المدونات في الأصل . ثم أنه لم يأت كحدث مستقل ، وإنما أتى كحدث تلقائي تابع لحدث رئيس هو وجود عالم موازٍ من الفضاء السايبري يكشف النقاب عن وجه آخر من وجوه المجتمع المصري والعربي كان لابد من الاهتمام به والنظر إليه كجزء من قلب المجتمع ، وليس كمجتمع منعزلٍ على الأطراف ، كي لا نُصاب بالفصام المجتمعي الذي يصيبنا في كثير من النواحي .
بالنسبة لعبارة ( جوبلز ) التى رأي فيها الاستاذ ياسين أنها لم تستخدم بشكل موفق ، والتي صاغها الصحفيان ( مصطفي الحسيني ) و ( محمد كمال حسن ) التى تقول : ( عندما اسمع كلمة مدونة أتحسس مسدسي ) . فالجملة لا تعني بالضرورة أن المدونات تلعب هذا الدور السياسي الخطير في مواجهة السلطة السياسية ، ولكنها استخدام محرّف للمعني الذي قصده جوبلز ، وزير دعاية الرايخ الثالث ، وهو أن الثقافة تعني وجود شخصية للمجتمع ، وهو ما يصنع رأيًا عامًا شعبيًا محسوسًا وله كيانه المستقل الذي يفرض وجوده على السلطة السياسية ، وهو ما يرهبه ويرفضه بالتأكيد كل نظام ديكتاتوري ، والعبارة المحوّرة تعني أن التدوين بدأ في صُنع مجتمع شعبي شبابي مثقف ومستقل يستطيع أن يفهم واقع الحياة السياسية والاجتماعية ويكوّن مواقفه الخاصة تجاهها وهو مايقلق أي نظام دكتاتوري حديث ، وكأن التاريخ يعيد نفسه مع اختلاف بعض المعطيات البسيطة .
كلمة الأستاذ تعني أما أنه لم يفهم المقصد الحقيقي أو أنه كان يتخيل أن في المدونات الحل السحري لكل مشاكلنا الحياتية ، أو أنها جبهة المقاومة الشعبية العنيدة التى توازي المقاومة الفلسطينية بحجارتها ومعاطفها الملغمة . وهي رؤية خاطئة قطعًا .
ثم إن جوبلز لم يقل عبارته لشكه في المثقفين ، ولكن لخوفه الزائد منهم ، مما جعله يأخذ موقف عدائيًا مبالغًا فيه ، لأن الثقافة تعطله وتمنعه من القيام بدوره في الدعاية لحرب الفوهرر ، وهو أيضًا الذي قال ( كلما كانت الكذبة أكبر كلما كان تكذيبها عسيرًا ) فالمثقفون سيفهمون الكذب ويكشفون التلاعب وينددون به ، بينا الخراف تسير في القطيع .
ثم يخلص استاذنا إلي إطلاق حكم شامل ( تقريبًا ) على المدونات بوصفها بالركاكة الأسلوبية ، والفقر المضموني ، وفي هذا إجحافًا بكينونة هذا الجيل ، أولاً لأن أستاذنا من المستحيل أن يكون قد قرأ كل المدونات السياسية المعروضة على الانترنت ، ولم يأخذ حتى العينة الإحصائية المناسبة للدراسة ، لكبر هذا المجتمع الإحصائي بما يفوق القدرات .
ثانيًا أنه من غير الجائز معاملة التدوينات السياسية من ناحية المضمون بالمعايير الأكاديمية الصارمة التي نعامل بها أي مفكر سياسي عتيد ، حتى نخلص إلى هذا النتيجة التي صدمتني شخصيًا .
ثم يتحول الأستاذ: السيد ياسين إلى أخذ قاعدة اجتماعية كمدخل لحديثٍ جديد ، مؤكدًا أنه لدراسة الموقف دراسة صحيحة لا بد أن يكون هذا على ضوء دراسة بيئية للمجتمع الذي حدث فيه هذا الموقف . ثم يؤكد أن البيئة الجديدة التى حوت هذه الظاهرة المجتمعية – ظاهرة التدوين – هي حركة الانتقال الديموقراطي الذي يحدث في مصر !!!!!!!!!!!!!!!
ثم يبدأ في عرض ملامح التحول الديموقراطي باستفاضة أوجزها في النقاط التالية :
1- التعديلات الدستورية !
2- حرية الصحافة غير المسبوقة !!
3- تطبيق أحكام قانون الطوارئ !!!
4- التطبيق المنهجي للخصخصة !
5- تصاعد الاضطرابات والاحتجاجات والمظاهرات من فئات متعددة !
6- ارتفاع الاسعار ، ويتعجب السيد ياسين من أن هذا أدى إلى الحكم الجائر على السياسات الحكومية بالفشل !!!!!!!!!!!!!!
الحقيقة لا أعرف كيف لخص أستاذنا البيئة الجديدة التى شهدت ظاهرة التدوين في أن مصر تتجه اتجاهًا ديموقراطيًا . فلو كان هناك اتجاهًا ديموقراطيًا لما وجدت كل هذه النسبة من المدونات الزاعقة المنددة بالكبت السياسي . والنفجار الذي تؤدي له مجريات الأحداث .
ثم تلخيص ملامح التحول الديموقراطي في النقاط السابقة . لا أعرف هل كان أستاذنا النابه يحاول كتابة مقالة ساخرة ، أم مقالة تحليلية ؟
لقد افرط في وصف هذه النقاط و سقط في تفاصيلٍ نعرفها جميعًا ولا حاجة بنا إلى تكرارها بهذا الشكل المترهل .
ثم يقول أن تفسير المدونات يحتاج أولاً إلى رسم خريطة اجتماعية وثقافية للمجتمع حتى تظهر التضاريس والملامح البارزة !!
و الحقيقة أنني لا أفهم أيهما الفعل .. وأيهما رد الفعل ؟
لأن المدونات هي انعكاس لشخصيات جانب كبير جدا من المجتمع ، توضح هيئته الاجتماعية والثقافية ، فدراسة المدونات بدرجة من الاهتمام والعمق سنستطيع أن نرسم خريطة المجتمع الثقافية والاجتماعية .. وليس العكس .
ثم يتجه الأستاذ : السيد ياسين إلى التحامل على المدونات الذاتية ، متسائلاً عن جدواها ، وخارجًا منها بنتيجة غاية في الغرابة فهو يقول بالنص : (( المعلم البارز لحركة الانتقال التى يمر بها المجتمع المصري هو شيوع ظاهرة اختلال القيم .. والشك في قيمة أي ممارسة أصبح اتجاهًا سائدًا لدى الشباب مما أدى إلى ظاهرة الاغتراب )) التى تغرق فيها المدونات الذاتية .
والحقيقة أن هذا الكلام أولاً : يحمل الكثير من التضارب من ناحية التحليل النفسي التقليدي الذي تعلمناه من فرويد .
فالشك من قيمة أي فعل أو ممارسة سيؤدي إلى الابتعاد عن هذه الممارسة وعن فعلها ، وشيوع هذه الظاهرة سيؤدي إلى الابتعاد عن الاختلاط بالمجتمع مما سيؤدي إلى العزلة والنكماش ، وليس الاغتراب .
وفرق شاسع كما يعلم استاذنا بين الاغتراب والعزلة .
ثانيًا : أن اختلال القيم لا يعني الشك في نتيجة الممارسات الإنسانية ، فاختلال القيم قد يعني سوء السلوك ، وسوء الوسائل المستخدمة للوصول للغايات .
ثالثًا : هو أن الشعور الزاعق بالاغتراب الذي يظهر في كثير جدًا من المدونات الذاتية ليس سببه اختلال القيم ، ولا الشك في نتيجة الممارسات كما يتهم استاذنا هذا الجيل . ولكنه أتى من الاختلاف واضح المعالم بين العالم الذي يتمناه الجيل ، والعالم الذي يسعى إلى إيجاده ، وبين العالم الفعلي والواقعي الذي يحيا فيه .
هذا هو ما يؤدي إلى ظاهرة الاغتراب ، فمن الممكن أن أحيا وحيدًا منعزلاً ، لكننى لا أشعر بالاغتراب ، ومن الممكن أن أعيش وسط الناس ، وفي بؤرة الأحداث ، لكننى أشعر بشعورٍ ساحقٍ بالاغتراب ، وبأن هذا ليس مكاني ولا عالمي .

ثم خلص إلى سؤالٍ عبقري : هل يفهم الشباب حقًا التغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي والآثار السياسية والاقتصادية والثقافية الكبرى التى ترتبت عليها ؟
ثم يتساءل عن كيفية رؤية الشباب للماضي ، وكيف يفهمون الحاضر ، وبأي شكلٍ يطلون على المستقبل ؟
والحقيقة أنه أوقع نفسه في دائرة مفرغة ، لأن أسئلته لا تحمل إجابة محددة منتهية .
فهي أسئلة تصلح لبداية مناقشة طويلة جدا ، نخلص منها إلى عدة نتائج مختلفة ومتباينة .
ربما كان ما يقصده هو كيف يعي الشباب واقعهم .. وكيف يفهموه . وهذا لا يحتاج إلى دروس تدريبية كما قال في نهاية مقاله . ولكنه يحتاج إلى قناة للحوار .. ولتبادل الأفكار . بعيدًا عن الفكر الكلاسيكي المهترئ والظن بأن أساليب الحوار والتعليم تسير دومًا في اتجاهٍ وحيد .
اعتقد ان بداية أي حوار منطقي ، وبداية أي بارقة أملٍ في المستقبل الذي يخشي السيد ياسين علينا منه هو الاعتراف بالعقليات الشبابية ، وبثوراتها و أفكارها . والثقة بها .
لا يجب أن تصل أعمارنا إلى الستين لنواجه كاميرا الحياة فجأة .. ونهابها , ونتخبط في حضرتها . بعد عمرٍ طويلٍ عشناه ككومبارس تافه على هامش الحياة .

==
مصطفي يحيي

فراعنة ، ولكن ..عن مجموعة ( حوار عواطلية )

فراعنة ، ولكن ..

عن مجموعة ( حوار عواطلية )

——-

بقلم : مصطفي يحيي

ربما كان من الصعب عليّ أن أقف موقف الحياد من هذا العمل الأدبي الجديد ، والذي فرض نفسه على الساحة الأدبية بمجرد ظهوره ، وجذب أنظار الكثيرين ، فمؤلفاه إثنان من أعز أصدقائي ، تابعت تطورهم ، وتألقهم الأدبي بمراحله ، وعانيت معهم مشكلات عديدة ، ورأيت نجاحهم بعينيّ ، وفرحت لهما أكثر منهما .

الخوف هنا ليس من الخروج عن التناول النقدي المنطقي ، والصراخ فرحًا بعملهما الناجح ، والمتميز ، و دق طبول الحرب كي أنذر ساحة المعركة بالمحاربين العظيمين اللذان انضما وبمنتهي الصخب والعنف إلى ساحة القتال ، فقط .

ولكن الخوف أيضًا من الإسراف في الحزم في تناول عمل ساخر ، وفرض معايير قد لاتتحملها طبيعة أي عمل ساخر ، فتزداد قسوتي على إخواني في تناولي لكتابهما الأول ، لأنني أنتظر منهما الكثير .. والكثير جدا .

مجموعة ( حوار عواطلية ) بدأت بفكرة عرضها أحدهما ، وبدءا معًا في تناولها ، وتطويرها ، والإضافة لها ، وأكثر ما يحسب لهما هو أنهما قاما معًا بهذا العمل الأدبي والمتميز ، دون أن يتقابلا وجهًا لوجه ، وعبر الرسائل والماسنجر على الإنترنت .

مجموعة ( حوار عواطلية ) هي تصور ساخر للعصر الفرعوني ، مع إسقاط كل مشكلات العصر الحالي عليه . بمعنى آخر رسم ملامح الحياة الفرعونية بعد إعادة هيكلة نفرداتها وأنظمة حياتها وتطعيمها بشكل ساخر بمفردات ومشاكل حياتنا في العصر الحالي ، لتنتج في النهاية صورة جديدة مختلفة لها رونقها وتفردها .

لقد مورس التزويج والتهجين في هذا الكتاب بأعتى صوره ، فبين التهجين الذي تم بين عصرنا و العصر الفرعوني ، تم تهجين أسلوبي الكاتبين .

فمن قراءتي لأعمالهما المنفردة كلٍ على حدا ، أعرف جيدًا أسلوب كل منهما الخاص والمختلف عن الآخر ، أعرف جيدًا أسلوب الأديب الواعد ( محمد الدسوقي ) ، وجوّه الحالم المرهف شديد الرقة الغارق في الأحلام الجميلة التي يصفعها القدر دومًا لتفيق ، وأعرف كذلك أسلوب الأديب الواعد ( عمرو عز الدين ) ومفرداته ، وجوّه الإنساني الرومانسي الغارق في السوادوية الواقعية .

لكن ما نجده في معالجة وأسلوب مجموعة ( حوار عواطلية ) هو نتاج مختلف ، وأسلوب هجين لا شك أنه نتاج التزاوج بين الأسلوبين المختلفين .

هذا عن الأسلوب الهجين ، فماذا عن الصورة الهجينة التي يتناولها الأديبان ؟

الحقيقة أن الصورة التي يعرضانها تصيبك بكثيرٍ من الحيرة ، وعدم التوازن .. فلا تعرف بالضبط ، هل السخرية من العصر الفرعوني ، أم من العصر الحالي ؟

هل سخرا من العصر الفرعوني لأنه ربما حوى مشكلات وصعوبات قد لا تختلف كثيرًا عن مشكلات وصعوبات حياتنا الحالية ، ورغم هذا احتفظ بإنجازاته المذهلة التي جعلت له اسمه الشامخ ، وبالتالي ليس لنا أن نجزع من حياتنا وصعوباتها و كبواتها ، لأن هذه طبيعة أي عصر ، ولأن التاريخ سيحفظ لنا بالتأكيد كل انجازاتنا الرائعة ( التي لا أعرف – في الحقيقة – ما هي ؟ ) وسيخلدها كما خلّد تاريخَ الفراعنة ؟

وهذا تخدير لذيذ يرتاح إليه ( الحزب الحاكم في البداية طبعًا ) والوجدان المصري المنهك المرهق ، الذي يميل إلى الاستقرار ، والمزيد من الدعة ، وفي هذا – في المقام الأول – الكثير من السخرية من أسلوب الحياة المصري ، والروح المصرية .

أم تُراها هي صورة ساخرة من مجتمعنا الحالي الذي يكتظ بالمشكلات من كل الجوانب ، ولا يكف عن التفاخر بأصوله الفرعونية العظيمة ، وحضارة الـ ( سبع تلاف ) سنة ؟

لو اقتنعنا بالصورة الأخيرة ( والتي أتصورها الأقرب لما نريد أن نفهمه ) ، فقد أتت مجموعة ( حوار عواطلية ) على سبيل كسر الطوطم الفرعوني ، وتجريدنا من المعبود الوثني ، ومصدر الفخر الوحيد الذي نتشدق به في كل الأمكنة .

وفي هذا كثير من القسوة ، والزجر للوجدان الجمعي المصري ، وهي قضية أشبه برسائل الأنبياء ، لتحرير أقوامهم من عهود الظلام ، وفتح آفاق الهداية ، ليتبعوهم إلى دروب الرشاد ، بدلاً من التشدق بعصر أنصاف الآلهة .

وبين الصورتين المختلفتين في المعنى والنتيجة ، أبحر الكاتبان ، لتشعر في النهاية بحالة عدم التوازن الغريبة ، لأنها تصطدم بجانبٍ من الوجدان المصري الجمعي ، الذي يجعل من عصر الفراعنة المهرب الأخير لفشله ، بادعاء ما كان لأجدادهِ في يومٍ من التاريخ السحيق .

هل نحن فراعنة آخرون سيخلدنا التاريخ ؟

أم نحن مَنْ صَنَعَ الأكذوبة الكبرى ، وصدقها ليرتاح إليها ، في حين أنه لم يكن أبدًا بالمعني العظيم الذي قصده ؟

أم نحن في الحقيقة – وببساطة شديدة – الولد الطالح الذي انسلخ من صُلب العبد الصالح ؟

الأسلوب الذي تناول به المؤلفان الفكرة الأساسية ، ومعالجتهما ، يحرك العقل ، و يهزه بأكثر مما يداعب الحس الساخر- الفكاهى لدى القارئ .

توقفتُ كثيرًا أمام مجموعة ( حوار عواطلية ) ، وأعدتُ قراءتها أكثر من مرة ، فتصنيف الكتاب يترنح بشدة بين العمل الأدبي شديد العمق ، وبين العمل الساخر الخفيف المرح .

لا أعرف كيف وصل الأديبان لهذه المعادلة شديدة الصعوبة ، والتي تحتاج في المقام الأول إلى موهبة طاغية ، وثقافة واسعة لا أشك لحظة في أنهما يمتلكانها .

التناغم والتفاهم الذي حدث بين كلا الأديبين أخرج لنا عملاً مثيرًا للجدل في المقام الأول ، وهي أبرز علامات النجاح .

تحوي المجموعة ستة أعمال تتناول كل منها جانبًا مختلفًا من جوانب الحياة ( العصرية – الفرعونية ) تتناول مفردات العصر الفرعوني ، وأسلوب حياته بكثيرٍ من الفكاهية المضحكة ، التي صنعتها المفردات الساخرة ، والحديث عن : عجلات النقل العام والعجلات الخاصة أو الأجرة التي تجرها الخيول ، حيث يصير الحصان – في حالة المخالفات المرورية – أهم من السائق نفسه فيتم القبض عليه لحين حل المشكلة المرورية . وبين العملات النقدية ( البيضات ، والسحاتيت ) ، والمدارس التي تحولت إلى معابد يذهب إليها تلاميذ الفراعنة ، والأهرامات التي يسكنها المصريون القدماء كمنازل فرعونية ، وكهنة الحكومة الذين يظلون في وزاراتهم حتى أجلهم ، والفرعون ذو الدماء الزرقاء الذي يحكم مجموعة من الدهماء ، والعوام ، والأغيار …. إلخ .

****

يبدأ الكتاب بالحديث عن مونديال كأس العالم في ( الموند – ديال ولو مرة ) ، وهو يطأ هذا الجرح بسخرية مختلفة ، قد تبدو مستغربة نوعًا ، فالكابتن (سنوحي ) – مدرب المنتخب الفرعوني – لا يعرفه سائق عجلة الأجرة الذي هو نموذج لرجل الشارع الفرعوني ، والذي لا يعرف كذلك أي شيء عن منتخب كرة القدم الفرعوني ، إلا أنهم هؤلاء الـ ( ناس اللي مش لاقيين لهم شغلانة ) ، وحين ظن خيرًا اعتقد انهم من القوات الفرعونية التي تحارب الهكسوس .

مع هذه البداية المختلفة عن المعتاد ، والتي تصل بنا إلى درجة الاستغراب ، تجعلنا نتوقف لنتساءل : هل هذه محاولة للتأريخ الساخر لعصر الفراعنة ، الذين لم يهتموا بهذه الألعاب ( على عكس العصر الحالي ) لهذا صاروا فراعنة ؟

إن أحدًا في العصر الحديث لا يجهل كُنة كرة القدم ، ولا كهنتها ، ما لم يكن معتوهًا .

لقد رأى رجل الشارع الفرعوني ، أن من يستحق التوقير والاحترام ، هم من يقاتلوا الهكسوس ، بالإضافة لطبقة الكتبة .

كأنها محاولة من الكاتبين للسخرية غير المباشرة ، من العصر الحديث ، الذي يترك أعداءه يقاتلوه بكل قوة ، ولا يعرف عنهم شيئًا ، ويغرق في فرعيات الرياضة .

ولا يقدر كذلك حملة الأقلام من المفكرين والأدباء والمثقفين ، الذين من المفترض أن يبلوّر نشاطهم الثقافي الحياة الثقافية ، والشخصية ، والإقليمية ، التي تمثل دفاعًا طبيعيًا ضد أعدائنا وحروبهم النفسية والثقافية لمجتمعنا الحديث ، فيتم الدمج بين الثقافة ( حائط الصد الواقي ) ومحاربة العدو بالأفكار (الذخيرة الحية ).

لكن المعالجة الأدبية للموضوع لا تستمر على نفس النهج في باقي الحكاية ، فالكاتبان يخرجان عن فكرة التأريخ الساخر التي تتضمن داخلها السخرية من العصر الحالي ، إلى السخرية من العصر الحديث مباشرةً ، وإسقاط أحداثه في العصر الفرعوني .

فالكابتن ( سنوحي ) يواصل استهزائه بـ (بلاد بونت ) ويصفهم بأنهم هؤلاء القوم محدثي الحضارة ، بينما هو وقومه تاريخ وحضارة في ملاعب كرة القدم .

يمثل سنوحي هذه الفئة التي تتباه بما ليس لها من مجدٍ تليد ، وحضارة ضاربة في جذور التاريخ ، بينما هم في دواخلهم لا يحملون سوى الخواء .

يسخر من لاعبى بلاد بونت ( اللي لسة متعلمين الكورة أول امبارح ) وتاريخهم الذي كان يتلخص في ( كانت بلاد بونت مافيهاش غير تلاتة لعيبة .. وبيلعبوا واحد ضد واحد والتالت جون مشترك .. وبكورة كتـان كمان ) ثم يفشل في مواجهتهم فشلاً ذريعًا . يجعله يترك مجال لعب كرة القدم والرياضة ، ويعمل سائق عجلة أجرة في شوارع مصر الفرعونية .

عانت ( المونديال ولو مرة ) من التخبط نوعًا في اتجاه التناول ، فهى تارة تتبع منهج التأريخ للعصر الفرعوني بأسلوبٍ ساخر ، لا تظهر إسقاطاته إلا عند مقارنتها بالعصر الحديث .

وتارة أخرى تتبع السخرية المباشرة من العصر الحديث بعد وضعه في ردائه الفرعوني ، بما يشبه حكايات ( كليلة و دمنة ) التى تتناول الحياة على ألسنة الحيوانات . ( مع الفارق هنا أنها تتناول الحياة على ألسنة فرعونية .وهي نقطة تميز هامة تبرزها المقارنة بين العصرين ، وتعطي بعدًا ثالثًا للأمر ، وعمقًا للأحداث والتناول ، وإن لم ينجح الكاتبان في استخدامها إلا قليلاً في بعض قصص الكتاب ) .

العصر الفرعوني يقدس مهنة الكاتب ، ولم يكن من المعقول أن يتضايق أو يشمئز الكابتن ( سنوحي ) من لفظة ( باشكاتب ) التي ناداه بها سائق الأجرة ، بينما سائق الأجرة لا يعرف شيئًا عن المنتخب ولا عن كأس العالم .

إذن هاتان شخصيتان من عصرين مختلفين تتحاوران ، سائق الأجرة شخصية تبدو فرعونية ، بينما كابتن (سنوحي ) شخصية عصرية ، ومن هنا جاء التخبط .

أعتقد أنه كان من الأفضل تحوير شخصية الكابتن ( سنوحي ) ، لتتماشى مع شخصية سائق الأجرة ، ولم يكن هذا إلا ببتر بعض عباراته ، واستبدالها بعبارت تدل على فرعونيته ، خاصة أنه في النهاية يتحول إلى شخصية سائق الأجرة الفرعوني ( الحركة التي جاءت دون أي إعداد مسبق لها في رسم الشخصية ، ودون تمهيد (.

وأعتقد ان هذه نقطة ضعف جديدة ، فهذا التحول أتى غير منطقيٍ، وبسبب انهزامية ( سنوحي ) ، ولإعطاء طابع الدائرة للقصة ، مما أوحى أن الشخصية الفرعونية الأولى – سائق الأجرة الأول – الذي يفضل محاربة الهكسوس ، ويقدّر الكتبة ، هو شخصية انهزامية بدوره ، ولم يأخذ هذا الموقف إلا بسبب فشله ، وهو ما يضرب فكرة القصة الأساسية بحسب تصوري .

أعتقد أن هذه القصة هي أول ما تم كتابته من قصص المجموعة ، فهى تتمتع بحوار و أحداث مزجت بين السخرية والإمتاع ، وحملت في معالجتها جموحًا مندفعًا ، ورغبة في السخرية من كل التفاصيل الصغيرة في الحياتين الفرعونية والحديثة ، مما أسقط بعض أحداثها في الهوة الصغيرة بينهما ، وأضفى الكثير من الضباب حول مايتم السخرية منه بالضبط وأسلوب السخرية .

هذا الترنح تم تفادية تمامًا في ثان قصص المجموعة ( ما اشربشي من حابي ) ( حابي : إله النيل الفرعوني ) ، فبالإضافة إلى التناول الأدبي الممتع ، فهي صرخة واضحة ضد البحث العلمى المهترئ في مصر ، بافتراض وجوده .

يتناول الكاتبان قصة أحد علماء مصر المعروفين ، ( أحمس زوسر ) ، وهو إسم له دلالته بالطبع . وحياته في بلده ، مقارنةً بمكانته في بلاد ما وراء النهر ، التي تقدر العلم حقًا .

أسماء الأشخاص والأماكن هنا ، لها دلالتها ورمزيتها التي يقصدها المؤلفان ، وهو أسلوب تم اتباعه في كل قصص المجموعة .

حينما قرأتُ ( ماشربشي من حابي ) ( العنوان الذي أتى كتنويعة ساخرة على أغنية حديثة تتساءل بكل دهشة واستنكار ، إذا ما كنت شربت من حابي أم لا ) شعرتُ بالأسى حقًا ، ربما لأن أحداثها حدثت وتحدث بالفعل ، ولم تدخل القصة إلا سخرية الألفاظ والمعالجة ، بينما الأحداث أثق في أنها ربما حدثت بحذافيرها ، ولا أعرف في الحقيقة هل يحسب هذا للكاتبين أم يحسب عليهما ؟

هل يحسب لهما تقريبهما للحدث بأسلوبهما الساخر حد تصديق القارئ لهما ؟

أم يحسب عليهما أنهما لم يجمحا بسخريتهما لأكثر مما يمكن أن يكون قد حدث بالفعل ؟

تنتمي هذه القصة كأكثر قصص المجموعة إلى ) الكوميديا السوداء ) ، التى تشعرك بغصة في حلقك مع ابتسامة هازئة على شفتيك ، وهو أسلوب اتبعه الكاتبين في معظم معالجتهم للافكار ، فلم ينج منها إلا قصتيهما ( سكة اللي يرووح ) و ( انتا – خا – بات) .

****

في ( كر – باج لكل مواطن ) يقدم المؤلفان واحدة من أنضج وأفضل قصص المجموعة .

تقترن فيها سخرية المواقف ، بفكاهية الحوار ، مع سوداوية خط الحكي ، ويرسمان فيها شخصية ساحرة أدبيًا ، هي شخصية ( سخموي أفندي أبو الدهب ) ، الكاتب الجدارى ، والمواطن النموذجي ، الذي يحفظ مبادئ ( آني ) ويسير عليها ، فيكون بهذا المثال الفرعوني للمواطن الحديث ، صاحب المبادئ والقيم ، والسائر بجوار الحائط ، وبرغم هذا تناله يدُ الشرطة الباطشة . فهو يتحول فجأة – وبدون أي جريرة – إلى مجرم طريد .

تناقش القصة الإرهاب الذي يُمارَس بدعوى مكافحة الإرهاب ، والإهانات والتعذيب لشعبٍ أدمن خفض الهامة ، وطأطأة الرؤوس ، وتقبيل الأقدام .

تطأ هذه القصة كل جراح النفس ، وذنوب الوطن ، وفوق كل هذا تعطيك القدرة على الضحك من كوميديا حياتك البائسة .

[ البلد في حالة حرب مع الهكسوس يا اخويا ، وقانون ( الطوارئ ) بيتطبق ، يعني إحنا نعمل اللي على كيفنا ].

[ مين [ آني ] ده كمان ؟ رئيس التنظيم بتاعكوا ] .

– [ وقّع حتى لا تتعلق من قدميك .

– ماهي نصايح آني حلوة أهي] .

ربما كان الأجدى بالكاتبين ،البحث عن كتاب فرعوني قديم للحكم والأمثال ، لإحلاله محل نصائح آني ، التي لا تنتمي لمصر الفرعونية ، ولا لمصر الحالية . وجود ( نصائح آني ) أعتقد أنه أخرج جو الحكي نوعًا عن الجو الفرعوني .

أما أجمل ما في ( كر – باج لكل مواطن ) فهو تكوينها الأدبي المتماسك ، وثرائها بالتفاصيل الصغيرة الساخرة ، التى تضمنت السخرية من العلاقات الزوجية ، والمذيعات المتظرفات ، والتضخم والغلاء المتزايد في كل يوم ، وقمع الصحافة ، وتعذيب حتى الباعة السريحة .

تأريخ حقيقي للعصر تعلوه نبرة السخرية ، مع تساؤل متوار نوعًا : هل كان هذا يحدث في مصر الفرعونية ؟

هل كان يوجد كرباج فرعوني لكل مواطن ؟

لو كان هذا موجودًا فللأسف لن نعرفه أبدًا ، ربما لأن الكتابة الجدارية كانت تقوم مقام الصحافة القومية في عصرنا الحديث . التي تشعرك بالفعل أننا الاتصال الطبيعي لعظمة الفراعنة وتفوقهم ، وأننا أزهى عصر مر على مصر منذ فجر التاريخ .

لو كانت هناك كتابات معارضة في مصر الفرعونية ، فلا ريب أن مصيرها كان أسود من مصيرنا ، ولا بد أن بردياتهم قد تم إعدامها ، ولم يتمكن أحدهم من الهرب لإزالة أكاذيب التاريخ المزيف المنقوش على الجداريات والحجريات ، مثلما فعل ( سخموي أبو الدهب ) .

***

حينما قرأتُ ( انتا – خا – بات ) وجدتُ نفسي أفكر فيها بناحيتين ، الناحية الأولى : أسباب تعديل الدستور الفرعوني وإقرار وجود انتخابات شرعية بين أكثر من مرشح بدعوى الديموقراطية .

والناحية الأخرى : هو مهزلة ما بعد الانتخابات .

حديث المؤلفان عن أسباب الانتخابات وتعديل الدستور لم يكن منطقيًا ولا واقعيًا ، فتعديل الدستور لم يأت بسبب الحد من فوران الشارع ضد امتداد حكم الفرعون للفترة السادسة فقط. فهذه الأشياء ليست بالقدر الكافي من الأهمية في نظرهم .

ولكنه أتى لأسباب عديدة منها : الضغط الخارجي بسلاح المعونة وغيره ، للتدخل في أحوال البلد الداخلية ، بحجة فوران الشارع ، وبدعوى الديموقراطية .

ومنها كذلك : الرغبة في توريث الحُكم .

هكذا صار أمام ( فراعنة القانون ) لدينا ثلاثة ضغوط : ضغط خارجي ، ضغط داخلى ، ورغبة في التوريث ، وهي معادلة عويصة بالفعل ، لكن رموزها حُلت امام عبقرية كهنة القانون.

فتعديل الدستور بدعوي قفو أثر الديموقراطية ، أعطى إيحاءً للخارج بالرضوخ للضغوط ، ومهّد الطريق للتوريث .

تناوُل جانب واحد من الأسباب وإهمال الجوانب الأخرى قد يوحي بعدم وعى سياسي لدي المؤلفين أشك في وجوده . و قد يشي بعدم الرغبة في الخوض في مثل هذه المسائل السياسية الحساسة ، وتحميل القصة بما لا تحتمله من قضايا أمنية ليست قضية ولا هدف الكتاب .

وهو ما أعتقده مقصد الكاتبين ، وإن كنتُ أرى أن مجرد التلميح الخاطف لهذا ، كان سيضفي عمقًا أكثر ومصداقية .

هذا عن الأسباب .. فماذا عن النتائج ؟!

لقد صاغ الكاتبان نتائج التجربة الانتخابية بسخرية وفكاهية عالية النبرة ، توازت مع الأحداث الحقيقية بشكل ممتع ، وبطريقة تجعلك تحاول كشف بعض الألغاز التي تركها الكاتبان في الطريق .

فمثلا أنت تتساءل عن كنه المرشحين الأربعة الذين قرروا مواجهة فرعون البلاد ، ومحاولة احتلال عرشه.

( حتب – منصور – ست ) لم يكن ينقصه إلا الطربوش ، للإعلان عن شخصيته .

( باحري – السلاموني ) رفع المسلة بدلاً من الشعلة .

ثم تتوقف بعض الوقت أمام ( نان – نوس آمون ) ابن رجل الأعمال المرفة الذي يريد أن يحتل مكان ( أونكل فرعون ) . حاولتُ التأكد من مقصد الكاتبين حتى عرفته حينما حاز – بسبب معجبيه وشلته في النادي – على ثاني نسبة أصوات . هنا تأكدتُ من شخصية (نانوس – عين – أمه ) .

***

لو كان يراودك السؤال الأزلي عن كيفية بناء الهرم ، فإن ( حوار عواطلية ) يجيبك عن هذا التساؤل بمنتهى الثقة .

لقد كانت أيامًا رائقة حقًا ، لكن السؤال يبدأ من : وماذا بعد بناء الأهرامات و أبو الهول ؟

سيجلس (حتب ) و ( من – رع ) على قهوة ( خوفو الجن ) .. يحتسيان المشاريب ، ويعبثان بالنرد والقشاط ، ويخططان لمستقبلهما الباهر .

حوارهما أشبه بالمتاهات الإغريقية ، وبدلا من أن يُسجن فيها حيوانًا أسطوريًا مثل المينوتور ، قررت الحياة أن تتلاعب مع شباب البلد بهذه الألعاب العبثية .

(حوار عواطلية) أشبه بهذيانٍ مجنونين يأسا من الحياة ، وتدور أحلامهما جامحة ، وتلف حول ذاتها لتصل في كل مرة إلى نقطة البداية ، وهي البحث عن عمل .

ربما كانت المشكلة الأساسية التي يتناولها العمل هي [ البطالة ] ، التي تم تناولها بشكل مباشر ، وبطريقة سردية ، ربما فرضتها المعالجة المتمثلة في حوار العاطلين ، وإن أشارا إلى البطالة الفرعونية المقنعة التي كان يتم مداراتها ببناء الأهرامات والآثار الفرعونية .

أشار العمل إلى الواسطة ، والمصالح المشتركة ، التي تضع الرجال غير المناسبين في الأمكنة غير المناسبة ، وتصل بالنابغين إلى إلقاء أنفسهم في حابي هربًا من الواقع الأسود . وإن تم تناول هذه التفاصيل بطريقة مباشرة جدًا ، وبأسلوب سردي بحت ، مثلها مثل مقدمة القصة المباشرة أيضًا .

ميزة العمل أنه لم يتوقف عند مشكلة عاطلين يقفا على أعتاب الحياة ، ويشاهدا عبر أسلاكها الشائكة الأحداث الدامية المصطرعة بالداخل ، وعارضا فكرة أن تنته المشكلة بوظيفة تافهة ، يقضي فيها الشاب أيام عمره ، ويفقد معها شبابه وطموحه.

فالمشكلة الحقيقية ليست مشكلة بطالة قدر ما هي مسألة مصير، ومعركة وجود .

مصير شباب يحملون بين جوانحهم حماسًا فائرًا ، وأحلامًا هائجةً ، وإرادات مستميتة ، لكن الحياة تأكل منها بأساليبها المختلفة : عدم توفير فرص عمل ، توفير فرص عمل غير مناسبة ، أو التقليل من شأنهم واحتقار أحلامهم . مما يحول هذا الحماس والإرادة لتحقيق الحلم إلى قنواتٍ عير شرعية ، وغير أخلاقية ، وهو مالم ينته إليه العمل .

هل كان الفراعنة يأوون إلى المقاهي ، يحتسون المشاريب ، ويتحسرون على أيام بناء المعابد والاهرام ، حيث كان يتم التعتيم على البطالة المتناثرة في الشوارع ، وكانوا يجدون عملاً يظفروا من خلاله ببعض السحاتيت ؟

الفكرة في ذاتها تحمل السخرية من العصرين الفرعوني والحالي في آنٍ واحد وهنا مكمن الإمتاع.

***

في ( سكة اللي يرووح ) أو (ماستر بيس ) المجموعة ، نلقى رونق التوهج للكاتبين ، وأنضج قصص المجموعة في تناول فكرة المقابلة بين العصرين ، بمعالجة أدبية فائقة الإمتاع ، وتناول ساخر فكاهي يختلف كثيرًا عن التناول الساخر السوداوى لمعظم أعمال المجموعة .

رسم الكاتبان فيها حُلم المواطنين ، ثم مايصلون إليه بعد انهزامهم . الحُلم الذي يلتف حوله أصحابه ، فيجتمعون على قلب رجلٍ واحد ، من أجل الوصول إليه . ثم مايفضي إليه الأمر في النهاية .

وطنٌ معادٍ ، وسلطات فاسدة ، وحكومات مستهترة ، يصيبون المجتمع بالإحباط والفشل ، ويصلون به إلى حدود الانحلال والجنون .

المجتمع الذي أصابه القائمون عليه بالفصام ، وأفضوا به إلى عصور الظلام . والنهاية التي تحول لها مصير الحُلم : الموت ، الخيانة ، تفسخ العلاقات الانسانية ، وغيرها .

ربما أفلت الأمر قليلاً من الكاتبين حينما تخيلا أن الأم كانت تُفضل موت ابنها كي تقبض معاشه وتتمتع به ، لم يصل الأمر إلى هذا الحد بعد ، ربما تبيع الأم ابنها من أجل المال ، ومن أجل إعطائه فرصة حياة أفضل كما قد تظن ، لكن أن تتمنى موته من أجل بعض المال؟؟!

تمثل هذه القصة بالنسبة لي أفضل قصص المجموعة ، ولا أعرف كيف فات الناشر والكاتبين تسمية الكتاب بعنوانها الموحي جدًا ، والذي يرمز لأكثر من معنى ملهم ، خاصةً إذا ما كان تصميم الغلاف عبارة عن عبّارة فرعونية متخيلة لها هيئة مراكب الشمس ، تحارب الأمواج وتغرق مقدمتها وسطها ، وقد تساقط الفراعنة منها يصرخون ، وفي الأفق شاطئ (بلاد برّة ) وتمثال حريتها المشهود ، مع عنوان ( سكة اللي يروووح ) .

معانٍ كثيرة يمكن تقديمها من خلال تصميم كهذا ، معانٍ تمثلها قصص المجموعة ، ويحملها هدف الكتاب .

لقد جاءت مجموعة ( حوار عواطلية ) كمعولٍ هائج لتحطيم الطوطم الفرعوني ، الذي لا يجرؤ أحدٌ على المساس به ، والذي ساهم بدرجةٍ ما في مزيدٍ من الاستهتار والدعة لدى الكثيرين – خاصة أصحاب السلطات ، ورجال الإعلام – في مقابل التشدق بمجد الايام الغابرة .

وارتاح المصريون إلى أجدادهم ، وأمجادهم ، ليصابوا بالبارانويا ، وتغدو كل تفسيراتهم لمشكلاتهم وحياتهم مستوحاة من فقة نظرية المؤامرة .

بالتالي نكون بمجموعة ( حوار عواطلية ) أمام محاولة جادة في رداء ساخر لعلاج أحد أسباب المرض الذي أودى بنا إلى ما نحن عليه من حال اجتماعى وثقافي وسياسي وسلوكي. وإن كان علينا بعض المثابرة ، والمزيد من المحاولات في الطريق ذاته ، لأن الأمراض المجتمعاتية ليست مجرد زكام يزول بأول قرص (اسبرين ) .

ربما احتاج الكاتبان إلى مزيدٍ من التدقيق التاريخي والجغرافي في عملهما المشترك ، فمن المستفز فعلاً أن يُكتب في عنوان على الغلاف الخلفي للكتاب ( إغريق 2113 ق.م ) ، لأن الحضارة الإغريقية أتت في أذيال عصر الفراعنة قبل أربعة أو خمسة قرون من الميلاد ، وليس قبل ألفي عامٍ من الميلاد .

ولم تتواكب الحضارة الإغريقية مع الحضارات ( الفرعونية – البابلية – الفينيقية ) لقد تعامل الكتاب مع حضارات ماقبل الميلاد كأنهم سلة واحدة ، وهذا غير جائز خاصة بالنسبة للعمل الساخر الذي يستوجب الدقة حتى تأت سخريته في محلها .

كذلك تعاملت المجموعة مع ( بلاد بونت ) على أنها أوروبا ، ولا أفهم كيف تسنى ادعاء هذا ، فبلاد بونت بلاد عربية في الأساس توجد في اليمن ، وهناك كثيرون ممن يدعون أنها أصل الفراعنة حيث نزحوا منها إلى مصر والسودان .

على كل حالٍ هذه النقاط ليست جوهرية في معالجة قصص المجموعة ، ويمكن تفاديها فيما بعد ، خاصةً إذا صدرت طبعة ثانية للكتاب ، وهو ما أتوقعه بشده ، وأتمناه .

بقى أن أقول أن الفكرة في أساسها ملهمة ، ولم تكفها قصص المجموعة ، ولا يكفيها كتاب واحد ، ليس أقل من ثلاثة كتب . فهي تفتح المجال لعشرات الأفكار الهامة ، وتعطى القدرة على إطلاق الجموح والخيال بأقوى ما يكون .

وقد تصدى لها أديبان واعدان .. يملكان أدواتهما جيدًا ، ويعرفا كيف يلجما جموح الأفكار ، ويروضا فرس الأدب الثائر .

مصطفي يحيي

يوتوبيا: حينما يلامس الخيال الحقيقة

سحر الكلمة

أما قبلُ، فإن يوتوبيا هي صرخة تحذيرية مجلجلة في الوقت الذي نمدّ فيه الإسرائيليين بالغاز وتستند الصناعة المصرية إلى مكوّناتٍ إسرائيلية لازمة لترويجها في السوق الأجنبية.
في رواية يوتوبيا الصادرة مؤخرا عن دار ميريت بالقاهرة للأديب أحمد خالد توفيق، نفاجأ بخيال رجيم كلنا نحذر منه بعد أن عاينا إرهاصاته الأوّلية في واقعنا المصريّ عقب الانفتاح الاقتصاديّ الذي بدأه السادات. وعقب التعاون الاقتصاديّ بين ثلة من رجال الأعمال المصريين مع أمريكا وإسرائيل مجسّدين الوجه الآخر
-الأقبح- للرأسمالية ألا وهو الاحتكار.
ففي يوتوبيا بقدر ما يغرّنا اسم الرواية، بقدر ما نفزع كلما توغلنا أكثر وأكثر في صفحاتها المؤلمة الصادمة. ففي الساحل الشماليّ انعزل ذوو الحكم والمال والنفوذ عن عامّة الشعب محوّطين أنفسهم بسور باطنه فيه (الرحمة) وظاهره من قبله العذاب والجوع والفقر، حيث المشرّدون وحيث استوى ههنا الفقير مع ميسور الحال على أرضية واحدة تدعى أرض الأغيار.
يوتوبيا أفضل من ألف صرخة وألف مؤتمر وألف مقالة. ذلك أنّ الأدب عندما يلامس الروح يُشجيها.
تدور أحداث الرواية في فلك عام 2020 أو ما يليه بقليل. (هذا الجرح أجراه لي طبيب إسرائيلي متخصص في هذا الفن..يقول درسه في نيويورك..كان اسمه إيلي، وكان شابا ظريفا..قال لي إنّ أباه أصيب بجرح ممائل في حرب عام 1973 مع المصريين، وسألني إن كنت أذكر شيئا عن الموضوع..قلت له إنّ لي عما توفيَ في هذه الحرب، لكني لا أعرف التفاصيل..هذه أمور مرّ عليها خمسون عامًا…) هكذا!..صار الإسرائيلي يقطن بمصر دون مكدّرات ولا منغّصات برفقة مصريين (غرباء) وهذا ما يتمناه الإسرائيليون بلا شك، وما لا يجد الخونة المنسوبون إلى أرض مصر الزكية الطاهرة ظلما وبهتانا غضاضة فيه، وفي إجرائه تحت اسم التطبيع والسلام.
أقترح تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، أتمنى نجاحه وخروجه بالمستوى المطلوب.
(من أنا؟..دعنا من الأسماء..ما قيمة الأسماء عندما لا تختلف عن أي أحد آخر؟) هكذا يقول راسم الغرّ من يوتوبيا، يبغي اللهو ولا يجده مثيرا وممتعا وهو مازال في السادسة عشرة من عمره بعدُ إلا بالصيد (حيث يتوارى الموت خلف الأسلاك الشائكة، فلا يصير إلا لعبة يحلم بها المراهقون) هكذا يمكنك أيها اليوتوباوي صيد من تشاء من (الصراصير) التي بالخارج مسريًّا عن نفسك مفرّجا عن همك وغمك لأن من بالخارج لم يعودوا بشرًا منذ وقت طويل.
في يوتوبيا حيث الآيات المقلوبة: (القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدّرات. لا أفعل بها شيئا سوى الغياب عن الوعي. في الماضي –تصوّر هذا- كانوا يقرؤون من أجل اكتساب الوعي).
(لا جديد تحت الشمس ولا يوجد شيء واحد يمكن تعلمه بعد هذا..هناك خلل اجتماعيّ أدى إلى ما نحن فيه، لكنه خلل يجب أن يستمرّ..كل من يحاول الإصلاح يجازف بأن نفقدّ كل شيء) الصواب المطلق آفة المتطرفين أينما كانوا وحيثما وجدوا، والصواب المطلق عن حق هو الديمقراطية وتقبل الآخر.
كيف يعيش الشاب في يوتوبيا؟. يقول راسم: (أصحو من النوم..أفرغ مثانتي..أدخن..أشرب القهوة..أحلق ذقني..أعالج الجرح في جبهتي ليبدو مريعًا..أضاجع الخادمة الأفريقية..أتناول الإفطار..أصبّ اللبن على البيض وأمزق كل هذا بالشوكة..ألقي بالخليط المقزز في القمامة..أتثاءب..أضحك..أبصق..ألتهم اللحم المحمّر..أدسّ أصبعي في حلقي..أدخل غرفة نوم لارين لأفرغ ما بمعدتي على البساط..أضحك..أدسّ أصبعي في أذني..آخذ زجاجة ويسكي من البار وأجرع منها..أرقص..أترنح..أقف فوق أريكة..أتقلب على البساط..أقرأ الجريدة التي لا تزيد عن اجتماعيات يوتوبيا..) هكذا يروي لنا راسم كيف يقضي يومه شاعرا بالملل بعدما فعل كل ما يمكن فعله في يوتوبيا. وهنا تثور في ذهنه من جديد فكرة صيد أحد الأغيار من خارج الأسوار والرجوع بتذكار هو قطعة لا بأس بحجمها من جسده!.
وهكذا يستدرج راسم وفتاته جرمينال ذكرًا وأنثى يقاربانهما في الحجم، يضربانهما، ثم يلبسان ثيابهما . ومن ثمّ يركبان حافلة العمال العائدة إلى أرض الأغيار متخفيان.
إنّ الصراع الرئيسيّ في الرواية قد تمثل بين اثنين مثقفين الأول هو راسم الصياد من مجتمع يوتوبيا الراقي، والثاني هو جابر الفريسة من عالم الأغيار.
الاثنان قد قرآ كثيرًا حتى ملا. القراءة بالنسبة لهما هي نوع رخيص من المخدّرات. لا يفعلان شيئا بها سوى الغياب عن الوعي. هذه وجهة نظرهما الملفتة للانتباه كما نرى. فكثير من الصغار الانطوائيين يقرؤون من أجل خلق عالم مواز لعالمهم الممل المقيت.
أعجبتني تقنية أدوات أحمد خالد توفيق السردية. فهو قد عبّر جيدًا عن طفل مراهق مدلل ثريّ فاسد. لاحظ تعبير (يا بنت يا ماهي!) الذي نقله أحمد خالد توفيق على لسان راسم كمثال على دقة وروعة لغة وأسلوب الرجل عند تقمصه لشخصية ما. كذلك عند نقله لحوار راسم مع لارين (ص 28).
(حكيتُ لها عن كثير عزة فقالت لي: اتنيل. فتنيّلت..) على لسان جابر. والذي هو إنسان عشوائيّ في عالم الأغيار بشبرا، طالما تذكر النساء اللائي عرفهنّ. ذلك أنه يبحث عن العاطفة المتأججة السامية لا الجنس والمتعة اللا إنسانية بعكس راسم. (حلم ما بعد الجنس) هذا هو ما كان يشغل بال جابر كثيرا، كان يحلم بالجنة النفسية، جنته هي عالم مثالي يتنفس فيه أريج الحب، ليوتوبيا حقيقية كان يرنو الغرض منها هو تحقيق سعادة البشر بصورة عادلة.
(الأرقام لا تكذب). هكذا كان جابر يحذر كل من يعرفه. (حُجاج) يهربون من الفندق ببلاد الحجاز!. ازدياد معدلات الجرائم في مصر عن ذي قبل: قتل. اغتصاب. تمييز جنسيّ عنصريّ تجاه الإناث. وأودّ أن ألفتَ النظر والانتباه إلى أنّ دعوات حضّ المرأة على عدم استكمال تعليمها ولزوم البيت، وتغطية سائر جسدها بلباس فضفاض بدعوى أنها كلها عورة، واختزال دور المرأة المجتمعيّ في الإنجاب وأعمال البيت فقط؛ كل تلكم الدعوات فيها خطر كبير على تقدم مصرنا الحبيبة. فالبلد الذي لا يتقدم، يتأخر. والإناث نصف المجتمع إن أغلقنا عليهنّ أبواب البيت بالأقفال والمتاريس عُدِمن الثقافة والفن والوعي اللوازم لتقدم أية أمة ترنو إلى الكمال والمثالية.
(أحيانا أشعر أنّ المصريين شعب يستحق ما يحدث له. شعب خنوع فاقد الهمة ينحني لأول سوْط يفرقع في الهواء) قالها جابر وهو الرأي الذي لا يبطل إبراهيم عيسى يردده دومًا ويخالفه فيه الكثيرون. شخصيًا أرجو من الفريقيْن وضع أطر فعّالة لتوعية الشعب المصريّ سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا بدلا عن إطلاق الأحكام المخيّبة أو الزائفة الخرقاء. وخير الأمور الوسط، وإن كنا لا ننكر وجود أزمة وعي سياسيّ واجتماعيّ ودينيّ في مصرنا الحبيبة نرجوا أنْ يتنبّه لها الشعب المصري سريعًا بيد أنّ مصيرنا واحد..وكذلك مستقبنا.
لا يخلو أسلوب أحمد خالد السرديّ دومًا من الدعابات: (أفضل الغشاشين طرًا هو من يغش المخدّرات..هذا رجل قديس يعمل لمصلحة الناس في رأيي..إنه مصلح اجتماعيّ ينعم بالمال) كما يعتقد ويقول ويفعل جابر.
قوم يوتوبيا هؤلاء مجانين بلا شك، أنصِتْ إلى نصّ مقاطع من أغانيهم التي أوردها المؤلف توقن بذلك:
(والآن يا صغيرتي انظري لي واتلي صلاتكِ الأخيرة..
إنّ عناقي المشبوب سوف يهشم ضلوعكِ..سوف أعتصر روحكِ ذاتها..
عندما تصعد إلى السماء مهشمة تستند على عكازيْن..
سوف تسألها الملائكة عمّا حلّ بها..
ستقول: لقد نمت مع الشيطان ذاته..
الشيطان الذي أثملته صرخات العذارى قبل الذبح..).
ساديّون. دمويّون. ملعونون في كل سماء:
(تنسحق الشمس إذ تطؤها أقدام الكوكب الأحمر..
تصرخ الملائكة خوفا..
أنتَ فريستي..أنتَ لي..
فقط عندما تصير جزءًا من خلاياي بعد الافتراس..
عندها تعرف معنى الأبدية..).
وفي الصدى البعيد يتردد قول عبد الرحمن الأبنوديّ في الرواية:
(إحنا شعبين..شعبين..شعبين).
الفجوة الكبرى الحادثة بين عالم الأغيار (الفقراء)، ومجتمع الأغنياء (يوتوبيا)، يشير الكاتب إلى أنها موجودة بالفعل هذه الأيام: (الصورة التي تريانها كانت موجودة منذ البداية ولكنْ بشكل غير واضح، ثم تضخمت شيئا فشيئا…يصير الأغنياء أغنى والفقراء أفقر، ثم تأتي لحظة يحدث فيها الانهيار) كما يقول جابر لراسم وجرمينال. وهذا بالفعل حاصل هذه الأيام بعد زيادة الأسعار بنسبة 100% وستزيد أكثر وأكثر، حتى يأتي الوقت الذي لن يشتري فيه الفقير ذهبًا، ولا بيتا، ولا طعامًا صالحًا، ولا كتبًا، ولا أملا، ولا حُلمًا، ولا..حياة!!.
في فهمي الشخصيّ للرواية فإنه بعد موتِ جابر وثورة الأغيار لموته، بقي راسم، وبقيت يوتوبيا -ولو لأجل بسيط- ذلك أنّ الكاتب أورد فِقراتٍ تتضمن أحداثا جرتْ لراسم برفقة جابر قبل أن يلتقيا.
هناك غلطات لغوية بسيطة ولكنها كثيرة في الطبعة الأولى أرجو أن يتغمّدها مصحح دار النشر برحمته في الطبعات التالية.
اغتصب جابر جرمينال فتاة يوتوبيا: (هذا هو النصر الوحيد الذي أستطيع تحقيقه..قهر هذه الفتاة ليس قهر أنثى بل هو قهر طبقة بأكملها. قهر ظروف…) هكذا يبرر جابر فعلته وإنْ لم يُكملها. وكذلك يبرر كل مغتصبٍ ومتحرّش سوأته هذه الأيام. وبدلا عن انشغالنا بدحض حجتهم علينا بتوفير الجنس للشباب، إما بتقليل كلفة الزواج عن طريق إلغاء الشبكة والمسكن المستقل للزوج أو الاكتفاء بغرفة فسيحة. أو عن طريق فتح باب الحرية الجنسية مع توخي الحذر من وقوع الحمل.
قال راسم وهو يغتصب صفية أخت جابر: (عندما هبّ الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض، هززتم أنتم رؤوسكم وتذرعتم بالإيمان والرّضا بما قسم لكم..هه هه..تدينكم زائف تبررون به ضعفكم..هه هه…) وهذا المقطع هو أهم مقطع في الرواية من وجهة نظري، فنظرة واحدة إلى موقف السلفيين الأصوليين في مصر من إضراب 6 أبريل تبرهن على اختياري. ذلك أنّ لفيفًا كبيرًا من دعاة الإسلام العرب يحثون الناس على الزهد، وعلى التقلل من متاع الحياة الدنيا من أجل آخرةٍ أبْقى. لذلك أغلب الملتزمين دينيًا فقراء، لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ولأنّ الانكفاء على الذات هو أسهل هروب، ولو أتيحت حياة أفضل ذات مستوًى ماديّ أعلى لهؤلاء لانتكس نصفهم عن الالتزام الدينيّ المفتعل.
النهاية مفتوحة. وهي مناسبة لرواية خيالية استشرافية لواقعنا كيوتوبيا.

أما بعدُ، فأنا لست من عشاق أحمد خالد توفيق وإنْ كنت من محبيه ومعجبيه، ومن المتابعين لأحدث ما يكتب وعلى الأخصّ مقالاته الأسبوعية بجريدة الدستور، ولكنني أمام عمل إبداعي فنيّ عالي المستوى وعلى درجةٍ كبيرة من الرقي والاحتراف. لذا، فلا مفرّ من الأخذ بتحذير دكتور أحمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا من الذي يجري بمصر الآن خاصة مع تفاقم التطبيع مع إسرائيل، والفجوة الكبرى بين الطبقتيْن العليا والسفلى، وارتفاع معدّل التطرّف الثقافيّ والإجراميّ. فالعمل عمل رائع يستحق منا القراءة والتصفيق والتحية.

أحمد منتصر
في
جمادى الأولى 1429

رؤية لرواية (يوتــوبيــا)

“كنت أقول لهم:
– هأنتم أولاء يا كلاب قد انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب..! لقد أنذرتكم ألف مرة.. حكيت لكم نظريات مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أورويل وهـ. ج. ويلز.. لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون.. الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي، وبين الشماتة فيكم لأنكم الآن فقط تعرفون..”
عندما نتحدث عن (يوتوبيا) فإننا نتحدث عن الرواية الأولى للدكتور أحمد خالد توفيق بعيداً عن نمط السلسلة، وعندما نتحدث عن (يوتوبيا) فإننا نتحدث عن عمل يستحق أن نتحدث عنه..
نزلت أجزاء هذه الرواية بداية على صفحات جريدة “الدستور” ولاقت اهتماماً وإقبالاً ملفتاً، ثم نشرتها دار “ميريت” ولاقت رواجاً خاصة بين جيل الشباب الذين كان من المتوقع أن القراءة بدأت تضمحل بينهم..
المهم عندي هنا ليس ذلك كله فنحن هنا لا نبحث عن الجانب التجاري والدعائي، ولذلك سأدخل إلى الصلب..
أولاً: الموضوع:
(يوتوبيا) كمصطلح يشير إلى المدينة الفاضلة حسب رؤية أفلاطون، وهذا اللفظ استخدم كثيراً في الأعمال الأدبية والسينمائية، وهنا قد استخدمه أديبنا الرائع د/ أحمد بنوع من السخرية التهكمية حين وصف به تخيلاً لمستعمرة خاصة بالأغنياء على الساحل الشمالي في مصر عام 2020.. ومن هذه المدينة الماجنة الفاسدة أخلاقياً والتي فقدت كل قيم احترام الآدمية يخرج شاب في السادسة عشرة من عمره وهو بطل القصة في رحلة لتجربة شيء لم يجربه قبلاً.. رياضة استحدثت لسد الملل الناتج عن إتاحة كل شيء من جانب والاحتقار المتناهي للأغيار – وهم عامة الشعب من الطبقة الفقيرة – من جهة أخرى، ألا وهي رياضة صيد الأغيار..
يخرج الشاب متسللاً مع صديقته من بين حراس المارينز الذين يحرسون (يوتوبيا) ليصل إلى ما كان يسمى بشبرا، ومع تسلسل الأحداث يتعرف على “جابر” البطل الثاني في القصة، ويكون هو الصيد المرتقب، ومن خلال الأحداث يتنقل بك د/ أحمد إلى تصور لحال مصر بعد هذا الحاجز الزمني القصير، وكيف سيكون الحال من انحطاط أخلاقي سواء بين الأغنياء من فحش ثرائهم من جهة وبين الفقراء بسبب اللاآدمية التي يعيشونها من جهة أخرى، ويتأتى على وصف مؤلم لأحوال كلا الجهتين مع عرض لرؤية البطل اليوتوبياوي وتأثره بما حوله ثم رؤية “جابر” البطل الفقير وتأثره هو أيضاً بما حوله، وكل هذا ينسج بعبقرية خلال الأحداث فلا تستطيع أن تقول أنك قد أصابك الملل ولو للحظة..
* ما يتعلق بالموضوع في وجهة نظري:
عرض د/ أحمد رسالة تحذيرية قوية للمجتمع في هذه الرواية، وعرضها بروعة وجمال، ولربما كان استخدامه لأسلوب سرد الشخص الأول – أو المتحدث – دوراً رائعاً في عرض وجهتي نظر البطلين دون إملال، وطبعاً هو أسلوب صعب ولكن د/ أحمد متمرس فيه، والحبكة المستعملة ومحور الأحداث ممتاز، ولا يمكننا أن ننسى عنصر المفاجأة..
ولكن بعض السلبيات أضعفت عرض الموضوع، فمثلاً الحاجز الزمني القصير، فأحداث الرواية تدور في عام 2020 وهو عام قريب جداً، وهذا يفقد الرؤية تأثيرها ومصداقيتها كما يسرع من ضياع قيمة الرؤية بعد بضعة أعوام من الآن، قد يقال العكس وهو أن هذا يشعرك بمدى انحدار الأحوال الآن، ولكني عند رأيي أن الحاجز الزمني قريب أكثر مما ينبغي وهو ما أتى برأي الكثيرين ممن سمعت عن كون الرواية مبالغ بها أو سوداوية أكثر مما ينبغي، بالطبع أنا أخالفهم في هذا لأن المبالغة في الرواية أتت كما ينبغي تماماً، فالصورة أتت واضحة ومؤثرة، كما أتت بحجم المبالغة المطلوب ليرسل الرسالة..
ثانياً: الأسلوب:
الأسلوب المستخدم في سرد الرواية هم أسلوب المتحدث أو المتكلم أو علمياً الشخص الأول.. هو أسلوب صعب في الكتابة ولكنه أكثر وقعاً، وهو أفضل الأساليب في عرض الأفكار والرؤى وهو أسلوب يتقنه د/ أحمد خالد توفيق خاصة بمزيج السخرية التي يضعه عليه، الروعة هنا أنه لم يستخدمه للبطل فحسب، فقد قام د/ أحمد باستخدام الأسلوب مرة لكل من البطلين، فجزء يأتي بعنوان الصياد ليتحدث فيه البطل اليوتوبياوي بمنظوره ثم يتبعه جزء بعنوان الفريسة ليتحدث فيه “جابر” وهكذا تتواتر الأجزاء، وهذا في وجهة نظري هو أروع ما بلور (يوتوبيا) في عرض الفارق الطبقي..
ثالثاً: الحوار:
الحوار في الرواية واقعي جداً حتى أ،ك تكاد تشعر بأصوات الشخصيات ونبراتهم تتحدث في أذنك، وأعجبني كثيراً طريقة الكاتب في التعامل مع الألفاظ المخلة بطريقة مهذبة لا تخدش الحياء، فهو حافظ في هذه الأجزاء من الحوار على كل من الواقعية والحياء، بالطبع هناك الكثير من السخرية الظاهرة في الحوار من معظم الشخصيات ولكن هذا منطقي بالنسبة للنماذج المطروحة..
تحفظي الوحيد على الحوار هو كم الألفاظ الطبية التي استخدمها د/ أحمد في الفصل الأول والثاني خاصة، وهي ألفاظ لا يمكن أن يفهم فحواها قارئ عادي بأي حال، كما أني لم أقتنع بالطريقة التي أقحم بها الثقافة على كل من البطلين، فهما مثقفان أكثر مما ينبغي..
رابعاً: نظرة عامة:
(يوتوبيا) رواية متيزة، وتجربة تستحق أن تخاض، ورسالة يجب أن تصل، وهي شيقة جذابة في معظمها، ويكفي أنها خطت بقلم د/ أحمد خالد توفيق، ولكن كمجمل عاب بها عيب بيّن..
فأنا أرى أن د/ أحمد قد استعجل في كتابتها كثيراً، لقد كانت تستحق أن تكون أكبر مما هي عليه، كما أن بعض اللحظات القوية في الرواية لم تأخذ حقها مما يشعرك أن الكاتب كان شغوفاً بإنهائها لدرجة أضاعت إتقانها في بعض الأماكن، وربما لو استغنينا عن السطور المكررة التي استخدمها “جابر” في بداية سرده لوجدنا أن الرواية صغيرة جداً..
(يوتوبيا) كمجمل عام في رأيي.. عالم كبير ورؤية واسعة ورواية ممتعة في كتاب صغير..

د.أحمد جمال شريف

النشر الالكتروني و قوانين حماية الملكية الفكرية .. دعوة للنقاش ..

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعا

كيف حالكم ؟

حسنا ..

الكل طبعا عارف بموضوع النشر الإلكتروني .. و تحويل الكتب لملفات وورد أو pdf يتم تناقلها في مكتبات إلكترونية ..

البعض يُسمي تلك العملية قرصنة

والبعض يؤيد تلك العملية بشدة

والآخرين يهاجمونها

حقيقة .. بالنسبة لي لم أكترث برأيي الشخصي كثيرا .. فكانت لي عدة مراحل تحولية في الفكر الخاص بتلك القضية .. من معارض .. لمؤيد .. لشخص يبحث عن الحقيقة ..

ومن منطلق وضعي الأخير , و مع ملاحظتي لمهاجمة النشر الإلكتروني من منظور انه يخرق قوانين الملكية الفكرية .. و لأنني لا أعرف من الأساس ما تلك القوانين .. فقررت البحث عنها ..

وحين بحثت بدأت نظرتي الخاصة لتلك القضية تتبلور .. و حتى الصباح لم أكن قد أمسكت الدليل على ما أراه في نظري , و هذا لأنني لم أمتلك نص القانون حرفيا .. أو حتى شرحا له .. فقط مجرد آراء أصدقاء لهم بعض التجاربا لبسيطة و القراءات ..

لكن اليوم قرأت مقالة تشرح القانون هذا سواء مصريا أو عالميا .. و من هذا المنطلق سأقول رأيي الشخصي ..

كبداية نحن نتحدث عن قانون حماية الملكية الفكرية .. لهذا يجب أن نعرف ماذا تعني كلمة ” ملكية فكرية ” ثم ماذا تعني كلمة ” حماية ملكية فكرية ” ..

-الملكية الفكرية :

كما قرأت في المقال الجيد الذي سأضعه بعدما أنتهي من موضوعي , فإن هناك عدة أنواع للممتلكات قد يمتلكها أي إنسان .. و بعد فترات التطور في العصر الإنساني .. صارت أحدها الملكية الفكرية .. وهي ملكية الشخص لما يفكر فيه بعقله ..

وهنا أريد توضيح – وبصراحة شديدة – أن الأمر ليس عملية ” تملك ” كاملة , إنما هي ” نسب ” حق التفكير في الفكرة أول مرة للشخص .. و هذا ما يعني أن عملية الإبداع التالية التي تعتمد على فكرة أي شخص ما هي إلا حق طبيعي .. وليس سرقة كما يدعي البعض ..

الملكية الفكرية متعددة .. لكن ما يهمنا منها هي ملكية الكاتب لما يكتبه من أفكار .. فالكاتب حين ينتهي من كتابة رواية مثلا .. فهو حينها يسعى لتسجيلها .. ليس خوفا على أفكاره .. لكن لأن صياغة الأفكار بتلك الطريقة التي خرجت في صورة رواية هو مجهود شخصي يجب أن يُنسب إليه ..

-حماية الملكية الفكرية :

من منطلق ضرورة تشجيع و تدعيم الكتاب و المبدعين – سواء في مجال الأدب أم غيره – كان لزاما حماية أفكارهم .. ومع اختلاف نوع الأفكار من أفكار متفردة في المجال العلمي لأفكار يتم التعبير عنها بطرق جديدة في المجال الأدبي .. نجد أن المحك الرئيسي هو ضرورة مكافأة من يقوم باستخدام عقله في نفع المجتمع .. و لهذا نجد قوانين حماية الملكية الفكرية ..

القوانين تلك – التي يمكن قرائتها بالتفصيل بالأسفل – تحمي باختلاف أنواعها شيء واحد .. الاستخدام المادي لأي ملكية فكرية دون إذن صاحبها ..

فمن الطبيعي أن الاستخدام المادي لأي ملكية فكرية سيؤدي بالضرورة لمكسب مادي لمن سيقوم به .. و نظرا لأن الشخص يستخدم شيئا ليس ملكه -لم يقم بابتكار الفكرة بنفسه أو لم يقم بأخذ إذن صاحبها في الفترة الزمنية المملوكة له – فهو إذن يتعدى على حقوق غيره و يصبح سارقا ..

ولهذا فقد تم وضع ضوابط تحتم على أي إنسان أن يأخذ تصريح من صاحب الفكرة قبل قيامه بأي شيء مادي خاص بها ..

فمن اخترع آلة جديدة أو فكرة علمية جديدة يجب على من يستخدمها أن يأخذ إذن صاحبها أولا قبل إدخالها في مشروع خاص بها يعتمد عليها مثلا ..

ومن كتب رواية .. ليس على أي دار نشر أن تنشرها دون أن تأخذ موافقته قبلها ..

ومن كتب رواية .. ليس على أي دار نشر نشر ترجمتها قبل أن تأخذ إذن الكاتب ..

و بالطبع الأمثلة عديدة للغاية و متنوعة ..

فمن بين المظاهر المباشرة للنشر و النقل و الترجمة .. توجد الأعمال الممزوجة بمجهود شخصي للفرد مبنية على كتابات غيره .. وهنا أعني كتب العوالم التي تصدر في الخارج مبنية على الروايات الفانتازية مثلا .. و لعل من هو مطلع بهاري بوتر يعلم قضية معجم ليكسيون الذي تم مقاضاة ناشره من قبل رولنج نظرا لأنه لم يأخذ الإذن منها قبل نشره ..

ولكن ..

المحك الرئيسي لكل هذا شيء واحد فقط ..

العائد المادي ..

جذب انتباهي و أنا أتابع مشكلة أمير الخواتم في دار ملامح و ليلى .. أن الأمر كله منصب على العائد المادي .. فالتصريح الوحيد لاستخدام تلك الكتابات هي أن تكون في مجالات غير مادية .. بحثية مثلا ..

وحقيقة تلك النقطة هي ما دفعني للتيقن من حدسي .. و حتى هذه اللحظة لم أجد ما يؤكد معارضة الحماية الفكرية و قوانينها لأي عمل غير مادي و غير ربحي على الإطلاق ..

وبالنظر لعملية النشر الإلكتروني المنتشرة هذه الأيام . سنجد أن الأمر غير مادي مطلقا .. ولا يعود ربح مادي على الناشر من عملية النشر .. فأين إذن التعارض بين هذا و بين قوانين الحماية الفكرية ؟

دعونا نتحرك نحو العالم الواقعي قليلا ..

لو افترضنا صحة التعارض بين القوانين و بين عملية النشر الغير ربحية تلك ..

حينها سنجد أن القوانين تعارض وصول الكتاب لأي شخص لم يدفع ثمنه .. وهذا أمر غير منطقي بالمرة ..

ربما تكونوا قد سمعتم بمشروع book crossing

وربما تكونوا قد سمعتم عن المكتبات العامة .. تلك التي تدخلها مجانا او برسم رمزي كي تجد أطنانا من الكتب بصورة مجانية .. يا للهول .. إنه خرق صارخ للقوانين الفكرية ..

من منا قرأ كتابا لم يدفع ثمنه ؟

عن نفسي قرأت كثيرا بتلك الطريقة .. أصدقائي يشترون كتبا خلافا لما أشتريه .. أعطي لهم الكتب التي لدي و هم يمنحوني كتبهم .. و أعتقد أننا لسنا متفردين في هذا الأمر ..

أليس هذا خرقا صارخا لعملية الحقوق الفكرية ؟

وما الاختلاف بين هنا و بين القراءة الإلكترونية ؟

ما أود قوله و ببساطة شديدة ..

الحقوق الفكرية نُصت قوانينها حماية لأي استغلال مادي لأي فكرة دون أخذ إذن صاحبها ..

وأكرر .. استغلال مادي .. أي لو كانت هناك شبهة مادية من وراء الموضوع برمته لصار الأمر خرقا لقوانين الحماية الفكرية ..

أخيرا سأتحدث عن نقطة يرتكن عليها البعض حين يهاجمون النشر الإلكتروني ..

النشر الإلكتروني سيتسبب في إنخفاض المبيعات لأي كاتب و بالتالي سيؤدي ذلك إلى الضرر المادي له ومن ثم فيجب منعه ..

معذرة .. هل تتحدثون عن الأدب العربي ؟!!

هل تتحدثون عن بيع الروايات و الكتب الأدبية العربية ؟!!

لأنكم لو كنتم تتحدثون عنها فستعلمون جيدا و بصورة قوية أن معدل بيع الروايات و الكتب الأدبية العربية دوما ما يكون منخفض ..بل حاليا معدل البيع أفضل مما كان عليه قديما .. أي قبل وجود الانترنت و النشر الإلكتروني ..

وأعتقد أنكم لو عدتم للوراء قبل وجود الإنترنت ستجدون أن معدل بيع الروايات و الكتب الأدبية لم يكن قويا قط .. بل كان من تنفذ له طبعة واحدة – و الطبعة بالمناسبة ألف نسخة – يكون كاتبا قويا و قد كسر الدنيا ..

معذرة .. أتم لا تتحدثون بصورة منطقية قط ..

بل دعوني أخبركم بالواقع في صورته الأخرى ..

النشر الإلكتروني لم يقلل من معدل البيع بل قد رفع من معدل بيع الروايات و الكتب الأدبية .. كيف ؟

لأنه ما إن تُنشر رواية لكاتب ما .. حينها تصدر النسخة الإلكترونية المجانية لكتابه .. حينها بدلا من أن يشتري كتابه – سأقول أكبر عدد مثلا – ألف شخص .. حينها سيتم عرض كتابه على مائتي ألف شخص مثلا – أكبر عدد كذلك – , فلنفترض أن هناك من أعجبهم الكتاب .. ألن يشتروه ؟

ولماذا لا يشتروه ؟ ألأنه مجاني ؟ ألأنه مادام لديهم لماذا يشترونه ؟

في محيط معرفتي الحالية بأصدقاء كثيرين .. لم أجد شخص قد قرأ رواية أو كتاب على الشبكة و أعجبه إلا و صار يبحث عن نسخته المطبوعة منه ..بل و دعانا – نحن أصدقاؤه – لضرورة شراء الكتاب .. أي صار دعاية للكتاب كذلك ..

حينها سيكون مضافا للألف شخص ولو شخص واحد على الأقل زيادة عن معدل البيع للكاتب ..

ألم يكن كسبا له ؟ أم كان خسارة ؟

هذا لو كان الكتاب جيدا

فماذا لو كان الكتب سيئا كبعض الكتب التي اشتريتها ؟

حينها يجب ألا يلوم الكاتب إلا نفسه .. فهو يحاول ” سرقة ” القراء بنشر روايات سخيفة و كتب هابطة مستغلا حب القراء للقراءة في مجال معين .. حينها يجب ألا يندفع صارخا مهاجما لعملية النشر الإلكتروني ..

وحقيقة حنقي على ضياع بعض من أموالي هباءا في شراء كتب سيئة للغاية و بدلا من انفاقها في شراء كتب جيدة تجعلني دوما أندم على عدم قراءة ما أود شرائه إلكترونيا قبل عملية الشراء للتيقن من جودة ما سأقوم بشرائه ..

بالطبع لم أتحدث عن دور الأدب الهام في تثقيف الشعب حتى لا أبدو مثاليا أكثر من اللازم و إن كان هذا أحد أهدافي الرئيسية ككاتب بالمناسبة لكن ربما لا يكون لغيري ..

خلاصة هذه الثرثرة و رأيي باختصار :

-النشر الإلكتروني ليس خرقا لأي حماية ملكية فكرية ..

-النشر الإلكتروني هي الصورة الحديثة الإلكترونية لعمليات تناقل الكتب قديما و إن كانت على نطاق أوسع و أكثر تأثيرا ..

-النشر الإلكتروني لم و لن يقلل من نسبة مبيعات أي كتب أدبية .. بل سيزيدها ..

-أتمنى أن تتم عملية النشر بصورة احترافية أكثر ..


وهذا هو رابط المقال الخاص بالقوانين المنوطة بحماية الملكية الفكرية ..

من هنا :

بانتظر آرائكم و نقاشاتكم..

تحياتي

الساحر ..

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..