رابطة العصبة الحداثية الأدبية

يناير 7, 2009

السىء فى الأمر …لمدوح رزق..قراءة مجازية

السىء فى الأمر ….أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد

قراءة مجازية

هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر و القاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدى عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه…..مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أى من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة..مما يضع القارىء فى حيرة.

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة و التحيز، إنه يدين نفسه و يدين الأب و يدين الحياة ..مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية فى أن يصفها أنها ليست بالجميلة.

يقدم المجموعة بجملة إفتتحاية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحا ً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى “السماء” كل هؤلاء العميان)

و النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة و القصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، فى جملة مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، و تعطى للقارىء مساحة للتأمل و الإستبطان باستخراج مدلولات عدة.

هى لا تعطى إجابات على أسئلة و إنما تعطى أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة.

ليست الكلمات التى تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة و دلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقارىء حرية لتأويلها و بناءها من جديد، و يأتى ذلك عند نقطة النهاية التى دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات – كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية – لتؤسسه على ما إنتهيت إليه.

و الزمن له حضور قوى، حيث يكون فى معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى و الحاضر و المستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة فى تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، و من الزمنى و الغيبى تصوغ النصوص أحجية إعتراضية تبغى الحلول.

مرورنا اللحظى فى الحياة ما هو إلا بناءاً هشاً لبيوت رملية تأتى عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، … و ما الشواطىء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطىء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا ..نص( الذكرى السنوية)

شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هى إلا قناع كاذب لجذب الإهتمام و إقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط إهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، و لكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة..نص(الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق)

الشخصيات مشتتة ضائعة فى عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ، تتأمل فى سر الوجود و ماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية و الشك و الريبة و محاولة الإيمان بشىء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.
شخصيات تسير وحيدة بالليل فى الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها و تبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً و لو ضئيلاً أو ملولاً على إبتساماتها، لكنها فى النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل و تنتظر المصير فى سكون و ترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب و حسب..نص( تكره الإنتظار بجوار النافذة)

متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحا مثل حجر ألقى على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، و لكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلى، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهترىء الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر.

كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القارىء إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، و عند نهاية النص يكتشف القارىء موهبته فى ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب و إعادة الترتيب مرة و مرات، كأنما هو عالم مفكك و متشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القارىء، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارىء فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل فى جلسة ود حميمة.

الإنتظار محملاً بالدموع الساكنة فى تربص السقوط على عتبة الخد…تيمة أساسية
الإنتظار كحل مؤقت للحاضر و متأمِّل للماضى و متربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الإنتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر و حسب…ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر و ذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك و كينونتك فى واقع يمل المنتظرين و يخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً..أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر و إنما يتفاعل غير محتاج لشىء….أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر و لكن لتزاحم هذا الشىء الآخر و تجد لها مكاناً تركن إليه
فعلُ يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، إعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء….نص(حيث أنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة)

بين الألم و الخوف و الحزن و الإنتظار و الموت يتشكل السىء فى الأمر…إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم- إنها حالة من الوعى بالذات التى أصبحت وفقا لقوانين بسكال لاشىء، ضرباً من الوعى المرعب

تشكل مجموعة النصوص ( السىء فى الأمر) علامة إستفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شىء على ما يرام؟

إسلام يوسف
_______________________________________________________

الكتاب:السىء فى الأمر

المؤلف:ممدوح رزق

الناشر: دار أكتب للنشر و التوزيع2008

Advertisements

قراءة في رواية .. بنات إيران

بنات إيران “رواية”

تأليف: ناهيد رشلان. روائية إيرانية تعيش في أمريكا.

عدد صفحاتها: 303 صفحة

ترجمة: عمر الأيوبي

الناشر: دار الكتاب العربي

اشتريتها من مكتبة جرير بـ 39 ريال

ماذكر في الغلاف الخلفي للرواية:

[ سيرة ذاتية للروائية “ناهيد رشلان” تسرد فيها قصة أسرة إيرانية وترفع النقاب عن التعقيدات التي ترافق كل امرأة تترعرع في مجتمع ذكوري. حزن ” رشلان” منعها على مر السنين من سرد سيرتها الذاتية لتخبر كيف اختلفت حياتها عن حياة “باري” شقيقتها الحميمة. في عمر المراهقة، رفضتا التقيد بالأعراف السائدة وحلمتا بخوض غمار الأدب والمسرح، فكانتا تقرآن سرا الكتب الممنوعة وتمثلان قصصا رومنسية. وفجأة انقلبت حياتهما، حين أجبرت “باري” على الزواج من رجل ثري وقاس جعل منها أسيرة منزلها. تفادت “ناهيد” الاقتران بشخص يختاره والداها، فطلبت من والدها متابعة دراستها في أمريكا.

بعد أن اشتهر اسم “ناهيد” في مجال الأدب في الولايات المتحدة وتحررت من قيود عائلتها، تلاشت أحلام “باري”… فقد قضى زواجها على آمالها وطموحاتها. وحين تلقت “ناهيد” خبر وفاة “باري”، عادت إلى إيران، التي أصبحت تحت حكم نظام إسلامي، لتعرف ما حدث مع شقيقتها العزيزة، وتواجه ماضيها، وتقيم ما يخبئه المستقبل لمنسحقات القلوب.

كتاب “بنات إيران” لا يحكي قصة “ناهيد” فحسب، بل يجمع حياة كل من خالتها ووالدتها وشقيقاتها في رواية تتناول موضوع الحزن والرابط الأخوي… والأمل”

……..

” أجل يا عزيزتي باري، لأعيدك إلى الحياة كتبت هذا الكتاب “

هذه آخر عبارة في الرواية.. باري التي سعت مع ناهيد، إلى تحقيق حريتها، وأحلامها وطموحها بأن تصبح ممثلة، ولكن لم تستطع رسم مجرى حياتها كما أرادت. فتزوجت ما أراده أبوها، لا ما أرده قلبها. ومنعت من حلمها بالتمثيل، ولم تستطع الحصول على أبنها أو رؤيته بعد طلاقها، لتعيش باقي حياتها في أمل الحصول عليه أو رؤيته. وعندما وصلت لها رسالة من أبنها كانت ميتة.. وهل هي من اختارت أن تموت أم لا؟!

أما ناهيد تهرب من المجتمع الذكوري، والذهاب إلى أمريكا، لتناشد حريتها، وذاتها، ولكن هل حققت الأمان الداخلي؟

“كم كنت أسعد لو أمكن مزج حياتي الحاضرة مع حياتي في تلك الأيام الغابرة. ربما لن أشعر بالحطام في داخلي، والشوق، والحسد لكل من لديه اتصال سهل بالوطن والأحبة. إنه الثمن الذي أدفعه للاستقلال الذي قاتلت بشدة من أجله”

الرواية تتحدث عن حياة كاتبة الرواية ناهيد رشلان، وأختها باري، ومحيطهما أبها، أمها وأخواتها وخالاتها، والمجتمع الذي عاشت فيه. فقد بينت السلطة الذكورية التي كانت تحدد مصير فتيات العائلة، وكيف كانت هذه السلطة سببا في فقدان العائلة!

كما إنها تحدث عن فترة الشاة، وكيف كان السافاك الذي أنشأة الشاة بدعم من السي آي إية بعد الانقلاب الأول عام 1954. ومن ثم ثورة الخميني، وما هي الفوارق التي رأتها بين النظامين. ففي نظام الشاة بالنسبة للمرأة سمح لها أن تعيش حياة عصرية، ولكن لم تزال السلطة الذكورية، التي في الواقع كان يمثلها الشاة، مع إنه كان يدعوا إلى الحرية. أما في نظام الخميني أجبرت المرأة بارتداء الشادور، وألقيت بعض القوانين التي تخص المرأة، والتي لم تطبق أيضا في نظام الشاة.

الرواية بصفة عامة جميلة، وبها نبرة صدق، وخاصة إنها تتكلم عن حياة الكاتبة. كما إنها استطاعت أن تعبر عن شعور الكثير من الفيات، وذلك من خلال سرد شعورها، وما تلاحظه من حولها.

أحسست أن الرواية موجة لي، أنا الذكر. لتقول لنا أنظروا ماذا يحدث لنا عندما تتخذون قرارا دون إعطائنا إي أهمية، هب ترضون بذلك؟ لذلك أعتقد إن الرواية ستضل لفترة طويلة في داخلي، بل ربما ستشكل جزء من نمط حياتي!

فراعنة ، ولكن ..عن مجموعة ( حوار عواطلية )

فراعنة ، ولكن ..

عن مجموعة ( حوار عواطلية )

——-

بقلم : مصطفي يحيي

ربما كان من الصعب عليّ أن أقف موقف الحياد من هذا العمل الأدبي الجديد ، والذي فرض نفسه على الساحة الأدبية بمجرد ظهوره ، وجذب أنظار الكثيرين ، فمؤلفاه إثنان من أعز أصدقائي ، تابعت تطورهم ، وتألقهم الأدبي بمراحله ، وعانيت معهم مشكلات عديدة ، ورأيت نجاحهم بعينيّ ، وفرحت لهما أكثر منهما .

الخوف هنا ليس من الخروج عن التناول النقدي المنطقي ، والصراخ فرحًا بعملهما الناجح ، والمتميز ، و دق طبول الحرب كي أنذر ساحة المعركة بالمحاربين العظيمين اللذان انضما وبمنتهي الصخب والعنف إلى ساحة القتال ، فقط .

ولكن الخوف أيضًا من الإسراف في الحزم في تناول عمل ساخر ، وفرض معايير قد لاتتحملها طبيعة أي عمل ساخر ، فتزداد قسوتي على إخواني في تناولي لكتابهما الأول ، لأنني أنتظر منهما الكثير .. والكثير جدا .

مجموعة ( حوار عواطلية ) بدأت بفكرة عرضها أحدهما ، وبدءا معًا في تناولها ، وتطويرها ، والإضافة لها ، وأكثر ما يحسب لهما هو أنهما قاما معًا بهذا العمل الأدبي والمتميز ، دون أن يتقابلا وجهًا لوجه ، وعبر الرسائل والماسنجر على الإنترنت .

مجموعة ( حوار عواطلية ) هي تصور ساخر للعصر الفرعوني ، مع إسقاط كل مشكلات العصر الحالي عليه . بمعنى آخر رسم ملامح الحياة الفرعونية بعد إعادة هيكلة نفرداتها وأنظمة حياتها وتطعيمها بشكل ساخر بمفردات ومشاكل حياتنا في العصر الحالي ، لتنتج في النهاية صورة جديدة مختلفة لها رونقها وتفردها .

لقد مورس التزويج والتهجين في هذا الكتاب بأعتى صوره ، فبين التهجين الذي تم بين عصرنا و العصر الفرعوني ، تم تهجين أسلوبي الكاتبين .

فمن قراءتي لأعمالهما المنفردة كلٍ على حدا ، أعرف جيدًا أسلوب كل منهما الخاص والمختلف عن الآخر ، أعرف جيدًا أسلوب الأديب الواعد ( محمد الدسوقي ) ، وجوّه الحالم المرهف شديد الرقة الغارق في الأحلام الجميلة التي يصفعها القدر دومًا لتفيق ، وأعرف كذلك أسلوب الأديب الواعد ( عمرو عز الدين ) ومفرداته ، وجوّه الإنساني الرومانسي الغارق في السوادوية الواقعية .

لكن ما نجده في معالجة وأسلوب مجموعة ( حوار عواطلية ) هو نتاج مختلف ، وأسلوب هجين لا شك أنه نتاج التزاوج بين الأسلوبين المختلفين .

هذا عن الأسلوب الهجين ، فماذا عن الصورة الهجينة التي يتناولها الأديبان ؟

الحقيقة أن الصورة التي يعرضانها تصيبك بكثيرٍ من الحيرة ، وعدم التوازن .. فلا تعرف بالضبط ، هل السخرية من العصر الفرعوني ، أم من العصر الحالي ؟

هل سخرا من العصر الفرعوني لأنه ربما حوى مشكلات وصعوبات قد لا تختلف كثيرًا عن مشكلات وصعوبات حياتنا الحالية ، ورغم هذا احتفظ بإنجازاته المذهلة التي جعلت له اسمه الشامخ ، وبالتالي ليس لنا أن نجزع من حياتنا وصعوباتها و كبواتها ، لأن هذه طبيعة أي عصر ، ولأن التاريخ سيحفظ لنا بالتأكيد كل انجازاتنا الرائعة ( التي لا أعرف – في الحقيقة – ما هي ؟ ) وسيخلدها كما خلّد تاريخَ الفراعنة ؟

وهذا تخدير لذيذ يرتاح إليه ( الحزب الحاكم في البداية طبعًا ) والوجدان المصري المنهك المرهق ، الذي يميل إلى الاستقرار ، والمزيد من الدعة ، وفي هذا – في المقام الأول – الكثير من السخرية من أسلوب الحياة المصري ، والروح المصرية .

أم تُراها هي صورة ساخرة من مجتمعنا الحالي الذي يكتظ بالمشكلات من كل الجوانب ، ولا يكف عن التفاخر بأصوله الفرعونية العظيمة ، وحضارة الـ ( سبع تلاف ) سنة ؟

لو اقتنعنا بالصورة الأخيرة ( والتي أتصورها الأقرب لما نريد أن نفهمه ) ، فقد أتت مجموعة ( حوار عواطلية ) على سبيل كسر الطوطم الفرعوني ، وتجريدنا من المعبود الوثني ، ومصدر الفخر الوحيد الذي نتشدق به في كل الأمكنة .

وفي هذا كثير من القسوة ، والزجر للوجدان الجمعي المصري ، وهي قضية أشبه برسائل الأنبياء ، لتحرير أقوامهم من عهود الظلام ، وفتح آفاق الهداية ، ليتبعوهم إلى دروب الرشاد ، بدلاً من التشدق بعصر أنصاف الآلهة .

وبين الصورتين المختلفتين في المعنى والنتيجة ، أبحر الكاتبان ، لتشعر في النهاية بحالة عدم التوازن الغريبة ، لأنها تصطدم بجانبٍ من الوجدان المصري الجمعي ، الذي يجعل من عصر الفراعنة المهرب الأخير لفشله ، بادعاء ما كان لأجدادهِ في يومٍ من التاريخ السحيق .

هل نحن فراعنة آخرون سيخلدنا التاريخ ؟

أم نحن مَنْ صَنَعَ الأكذوبة الكبرى ، وصدقها ليرتاح إليها ، في حين أنه لم يكن أبدًا بالمعني العظيم الذي قصده ؟

أم نحن في الحقيقة – وببساطة شديدة – الولد الطالح الذي انسلخ من صُلب العبد الصالح ؟

الأسلوب الذي تناول به المؤلفان الفكرة الأساسية ، ومعالجتهما ، يحرك العقل ، و يهزه بأكثر مما يداعب الحس الساخر- الفكاهى لدى القارئ .

توقفتُ كثيرًا أمام مجموعة ( حوار عواطلية ) ، وأعدتُ قراءتها أكثر من مرة ، فتصنيف الكتاب يترنح بشدة بين العمل الأدبي شديد العمق ، وبين العمل الساخر الخفيف المرح .

لا أعرف كيف وصل الأديبان لهذه المعادلة شديدة الصعوبة ، والتي تحتاج في المقام الأول إلى موهبة طاغية ، وثقافة واسعة لا أشك لحظة في أنهما يمتلكانها .

التناغم والتفاهم الذي حدث بين كلا الأديبين أخرج لنا عملاً مثيرًا للجدل في المقام الأول ، وهي أبرز علامات النجاح .

تحوي المجموعة ستة أعمال تتناول كل منها جانبًا مختلفًا من جوانب الحياة ( العصرية – الفرعونية ) تتناول مفردات العصر الفرعوني ، وأسلوب حياته بكثيرٍ من الفكاهية المضحكة ، التي صنعتها المفردات الساخرة ، والحديث عن : عجلات النقل العام والعجلات الخاصة أو الأجرة التي تجرها الخيول ، حيث يصير الحصان – في حالة المخالفات المرورية – أهم من السائق نفسه فيتم القبض عليه لحين حل المشكلة المرورية . وبين العملات النقدية ( البيضات ، والسحاتيت ) ، والمدارس التي تحولت إلى معابد يذهب إليها تلاميذ الفراعنة ، والأهرامات التي يسكنها المصريون القدماء كمنازل فرعونية ، وكهنة الحكومة الذين يظلون في وزاراتهم حتى أجلهم ، والفرعون ذو الدماء الزرقاء الذي يحكم مجموعة من الدهماء ، والعوام ، والأغيار …. إلخ .

****

يبدأ الكتاب بالحديث عن مونديال كأس العالم في ( الموند – ديال ولو مرة ) ، وهو يطأ هذا الجرح بسخرية مختلفة ، قد تبدو مستغربة نوعًا ، فالكابتن (سنوحي ) – مدرب المنتخب الفرعوني – لا يعرفه سائق عجلة الأجرة الذي هو نموذج لرجل الشارع الفرعوني ، والذي لا يعرف كذلك أي شيء عن منتخب كرة القدم الفرعوني ، إلا أنهم هؤلاء الـ ( ناس اللي مش لاقيين لهم شغلانة ) ، وحين ظن خيرًا اعتقد انهم من القوات الفرعونية التي تحارب الهكسوس .

مع هذه البداية المختلفة عن المعتاد ، والتي تصل بنا إلى درجة الاستغراب ، تجعلنا نتوقف لنتساءل : هل هذه محاولة للتأريخ الساخر لعصر الفراعنة ، الذين لم يهتموا بهذه الألعاب ( على عكس العصر الحالي ) لهذا صاروا فراعنة ؟

إن أحدًا في العصر الحديث لا يجهل كُنة كرة القدم ، ولا كهنتها ، ما لم يكن معتوهًا .

لقد رأى رجل الشارع الفرعوني ، أن من يستحق التوقير والاحترام ، هم من يقاتلوا الهكسوس ، بالإضافة لطبقة الكتبة .

كأنها محاولة من الكاتبين للسخرية غير المباشرة ، من العصر الحديث ، الذي يترك أعداءه يقاتلوه بكل قوة ، ولا يعرف عنهم شيئًا ، ويغرق في فرعيات الرياضة .

ولا يقدر كذلك حملة الأقلام من المفكرين والأدباء والمثقفين ، الذين من المفترض أن يبلوّر نشاطهم الثقافي الحياة الثقافية ، والشخصية ، والإقليمية ، التي تمثل دفاعًا طبيعيًا ضد أعدائنا وحروبهم النفسية والثقافية لمجتمعنا الحديث ، فيتم الدمج بين الثقافة ( حائط الصد الواقي ) ومحاربة العدو بالأفكار (الذخيرة الحية ).

لكن المعالجة الأدبية للموضوع لا تستمر على نفس النهج في باقي الحكاية ، فالكاتبان يخرجان عن فكرة التأريخ الساخر التي تتضمن داخلها السخرية من العصر الحالي ، إلى السخرية من العصر الحديث مباشرةً ، وإسقاط أحداثه في العصر الفرعوني .

فالكابتن ( سنوحي ) يواصل استهزائه بـ (بلاد بونت ) ويصفهم بأنهم هؤلاء القوم محدثي الحضارة ، بينما هو وقومه تاريخ وحضارة في ملاعب كرة القدم .

يمثل سنوحي هذه الفئة التي تتباه بما ليس لها من مجدٍ تليد ، وحضارة ضاربة في جذور التاريخ ، بينما هم في دواخلهم لا يحملون سوى الخواء .

يسخر من لاعبى بلاد بونت ( اللي لسة متعلمين الكورة أول امبارح ) وتاريخهم الذي كان يتلخص في ( كانت بلاد بونت مافيهاش غير تلاتة لعيبة .. وبيلعبوا واحد ضد واحد والتالت جون مشترك .. وبكورة كتـان كمان ) ثم يفشل في مواجهتهم فشلاً ذريعًا . يجعله يترك مجال لعب كرة القدم والرياضة ، ويعمل سائق عجلة أجرة في شوارع مصر الفرعونية .

عانت ( المونديال ولو مرة ) من التخبط نوعًا في اتجاه التناول ، فهى تارة تتبع منهج التأريخ للعصر الفرعوني بأسلوبٍ ساخر ، لا تظهر إسقاطاته إلا عند مقارنتها بالعصر الحديث .

وتارة أخرى تتبع السخرية المباشرة من العصر الحديث بعد وضعه في ردائه الفرعوني ، بما يشبه حكايات ( كليلة و دمنة ) التى تتناول الحياة على ألسنة الحيوانات . ( مع الفارق هنا أنها تتناول الحياة على ألسنة فرعونية .وهي نقطة تميز هامة تبرزها المقارنة بين العصرين ، وتعطي بعدًا ثالثًا للأمر ، وعمقًا للأحداث والتناول ، وإن لم ينجح الكاتبان في استخدامها إلا قليلاً في بعض قصص الكتاب ) .

العصر الفرعوني يقدس مهنة الكاتب ، ولم يكن من المعقول أن يتضايق أو يشمئز الكابتن ( سنوحي ) من لفظة ( باشكاتب ) التي ناداه بها سائق الأجرة ، بينما سائق الأجرة لا يعرف شيئًا عن المنتخب ولا عن كأس العالم .

إذن هاتان شخصيتان من عصرين مختلفين تتحاوران ، سائق الأجرة شخصية تبدو فرعونية ، بينما كابتن (سنوحي ) شخصية عصرية ، ومن هنا جاء التخبط .

أعتقد أنه كان من الأفضل تحوير شخصية الكابتن ( سنوحي ) ، لتتماشى مع شخصية سائق الأجرة ، ولم يكن هذا إلا ببتر بعض عباراته ، واستبدالها بعبارت تدل على فرعونيته ، خاصة أنه في النهاية يتحول إلى شخصية سائق الأجرة الفرعوني ( الحركة التي جاءت دون أي إعداد مسبق لها في رسم الشخصية ، ودون تمهيد (.

وأعتقد ان هذه نقطة ضعف جديدة ، فهذا التحول أتى غير منطقيٍ، وبسبب انهزامية ( سنوحي ) ، ولإعطاء طابع الدائرة للقصة ، مما أوحى أن الشخصية الفرعونية الأولى – سائق الأجرة الأول – الذي يفضل محاربة الهكسوس ، ويقدّر الكتبة ، هو شخصية انهزامية بدوره ، ولم يأخذ هذا الموقف إلا بسبب فشله ، وهو ما يضرب فكرة القصة الأساسية بحسب تصوري .

أعتقد أن هذه القصة هي أول ما تم كتابته من قصص المجموعة ، فهى تتمتع بحوار و أحداث مزجت بين السخرية والإمتاع ، وحملت في معالجتها جموحًا مندفعًا ، ورغبة في السخرية من كل التفاصيل الصغيرة في الحياتين الفرعونية والحديثة ، مما أسقط بعض أحداثها في الهوة الصغيرة بينهما ، وأضفى الكثير من الضباب حول مايتم السخرية منه بالضبط وأسلوب السخرية .

هذا الترنح تم تفادية تمامًا في ثان قصص المجموعة ( ما اشربشي من حابي ) ( حابي : إله النيل الفرعوني ) ، فبالإضافة إلى التناول الأدبي الممتع ، فهي صرخة واضحة ضد البحث العلمى المهترئ في مصر ، بافتراض وجوده .

يتناول الكاتبان قصة أحد علماء مصر المعروفين ، ( أحمس زوسر ) ، وهو إسم له دلالته بالطبع . وحياته في بلده ، مقارنةً بمكانته في بلاد ما وراء النهر ، التي تقدر العلم حقًا .

أسماء الأشخاص والأماكن هنا ، لها دلالتها ورمزيتها التي يقصدها المؤلفان ، وهو أسلوب تم اتباعه في كل قصص المجموعة .

حينما قرأتُ ( ماشربشي من حابي ) ( العنوان الذي أتى كتنويعة ساخرة على أغنية حديثة تتساءل بكل دهشة واستنكار ، إذا ما كنت شربت من حابي أم لا ) شعرتُ بالأسى حقًا ، ربما لأن أحداثها حدثت وتحدث بالفعل ، ولم تدخل القصة إلا سخرية الألفاظ والمعالجة ، بينما الأحداث أثق في أنها ربما حدثت بحذافيرها ، ولا أعرف في الحقيقة هل يحسب هذا للكاتبين أم يحسب عليهما ؟

هل يحسب لهما تقريبهما للحدث بأسلوبهما الساخر حد تصديق القارئ لهما ؟

أم يحسب عليهما أنهما لم يجمحا بسخريتهما لأكثر مما يمكن أن يكون قد حدث بالفعل ؟

تنتمي هذه القصة كأكثر قصص المجموعة إلى ) الكوميديا السوداء ) ، التى تشعرك بغصة في حلقك مع ابتسامة هازئة على شفتيك ، وهو أسلوب اتبعه الكاتبين في معظم معالجتهم للافكار ، فلم ينج منها إلا قصتيهما ( سكة اللي يرووح ) و ( انتا – خا – بات) .

****

في ( كر – باج لكل مواطن ) يقدم المؤلفان واحدة من أنضج وأفضل قصص المجموعة .

تقترن فيها سخرية المواقف ، بفكاهية الحوار ، مع سوداوية خط الحكي ، ويرسمان فيها شخصية ساحرة أدبيًا ، هي شخصية ( سخموي أفندي أبو الدهب ) ، الكاتب الجدارى ، والمواطن النموذجي ، الذي يحفظ مبادئ ( آني ) ويسير عليها ، فيكون بهذا المثال الفرعوني للمواطن الحديث ، صاحب المبادئ والقيم ، والسائر بجوار الحائط ، وبرغم هذا تناله يدُ الشرطة الباطشة . فهو يتحول فجأة – وبدون أي جريرة – إلى مجرم طريد .

تناقش القصة الإرهاب الذي يُمارَس بدعوى مكافحة الإرهاب ، والإهانات والتعذيب لشعبٍ أدمن خفض الهامة ، وطأطأة الرؤوس ، وتقبيل الأقدام .

تطأ هذه القصة كل جراح النفس ، وذنوب الوطن ، وفوق كل هذا تعطيك القدرة على الضحك من كوميديا حياتك البائسة .

[ البلد في حالة حرب مع الهكسوس يا اخويا ، وقانون ( الطوارئ ) بيتطبق ، يعني إحنا نعمل اللي على كيفنا ].

[ مين [ آني ] ده كمان ؟ رئيس التنظيم بتاعكوا ] .

– [ وقّع حتى لا تتعلق من قدميك .

– ماهي نصايح آني حلوة أهي] .

ربما كان الأجدى بالكاتبين ،البحث عن كتاب فرعوني قديم للحكم والأمثال ، لإحلاله محل نصائح آني ، التي لا تنتمي لمصر الفرعونية ، ولا لمصر الحالية . وجود ( نصائح آني ) أعتقد أنه أخرج جو الحكي نوعًا عن الجو الفرعوني .

أما أجمل ما في ( كر – باج لكل مواطن ) فهو تكوينها الأدبي المتماسك ، وثرائها بالتفاصيل الصغيرة الساخرة ، التى تضمنت السخرية من العلاقات الزوجية ، والمذيعات المتظرفات ، والتضخم والغلاء المتزايد في كل يوم ، وقمع الصحافة ، وتعذيب حتى الباعة السريحة .

تأريخ حقيقي للعصر تعلوه نبرة السخرية ، مع تساؤل متوار نوعًا : هل كان هذا يحدث في مصر الفرعونية ؟

هل كان يوجد كرباج فرعوني لكل مواطن ؟

لو كان هذا موجودًا فللأسف لن نعرفه أبدًا ، ربما لأن الكتابة الجدارية كانت تقوم مقام الصحافة القومية في عصرنا الحديث . التي تشعرك بالفعل أننا الاتصال الطبيعي لعظمة الفراعنة وتفوقهم ، وأننا أزهى عصر مر على مصر منذ فجر التاريخ .

لو كانت هناك كتابات معارضة في مصر الفرعونية ، فلا ريب أن مصيرها كان أسود من مصيرنا ، ولا بد أن بردياتهم قد تم إعدامها ، ولم يتمكن أحدهم من الهرب لإزالة أكاذيب التاريخ المزيف المنقوش على الجداريات والحجريات ، مثلما فعل ( سخموي أبو الدهب ) .

***

حينما قرأتُ ( انتا – خا – بات ) وجدتُ نفسي أفكر فيها بناحيتين ، الناحية الأولى : أسباب تعديل الدستور الفرعوني وإقرار وجود انتخابات شرعية بين أكثر من مرشح بدعوى الديموقراطية .

والناحية الأخرى : هو مهزلة ما بعد الانتخابات .

حديث المؤلفان عن أسباب الانتخابات وتعديل الدستور لم يكن منطقيًا ولا واقعيًا ، فتعديل الدستور لم يأت بسبب الحد من فوران الشارع ضد امتداد حكم الفرعون للفترة السادسة فقط. فهذه الأشياء ليست بالقدر الكافي من الأهمية في نظرهم .

ولكنه أتى لأسباب عديدة منها : الضغط الخارجي بسلاح المعونة وغيره ، للتدخل في أحوال البلد الداخلية ، بحجة فوران الشارع ، وبدعوى الديموقراطية .

ومنها كذلك : الرغبة في توريث الحُكم .

هكذا صار أمام ( فراعنة القانون ) لدينا ثلاثة ضغوط : ضغط خارجي ، ضغط داخلى ، ورغبة في التوريث ، وهي معادلة عويصة بالفعل ، لكن رموزها حُلت امام عبقرية كهنة القانون.

فتعديل الدستور بدعوي قفو أثر الديموقراطية ، أعطى إيحاءً للخارج بالرضوخ للضغوط ، ومهّد الطريق للتوريث .

تناوُل جانب واحد من الأسباب وإهمال الجوانب الأخرى قد يوحي بعدم وعى سياسي لدي المؤلفين أشك في وجوده . و قد يشي بعدم الرغبة في الخوض في مثل هذه المسائل السياسية الحساسة ، وتحميل القصة بما لا تحتمله من قضايا أمنية ليست قضية ولا هدف الكتاب .

وهو ما أعتقده مقصد الكاتبين ، وإن كنتُ أرى أن مجرد التلميح الخاطف لهذا ، كان سيضفي عمقًا أكثر ومصداقية .

هذا عن الأسباب .. فماذا عن النتائج ؟!

لقد صاغ الكاتبان نتائج التجربة الانتخابية بسخرية وفكاهية عالية النبرة ، توازت مع الأحداث الحقيقية بشكل ممتع ، وبطريقة تجعلك تحاول كشف بعض الألغاز التي تركها الكاتبان في الطريق .

فمثلا أنت تتساءل عن كنه المرشحين الأربعة الذين قرروا مواجهة فرعون البلاد ، ومحاولة احتلال عرشه.

( حتب – منصور – ست ) لم يكن ينقصه إلا الطربوش ، للإعلان عن شخصيته .

( باحري – السلاموني ) رفع المسلة بدلاً من الشعلة .

ثم تتوقف بعض الوقت أمام ( نان – نوس آمون ) ابن رجل الأعمال المرفة الذي يريد أن يحتل مكان ( أونكل فرعون ) . حاولتُ التأكد من مقصد الكاتبين حتى عرفته حينما حاز – بسبب معجبيه وشلته في النادي – على ثاني نسبة أصوات . هنا تأكدتُ من شخصية (نانوس – عين – أمه ) .

***

لو كان يراودك السؤال الأزلي عن كيفية بناء الهرم ، فإن ( حوار عواطلية ) يجيبك عن هذا التساؤل بمنتهى الثقة .

لقد كانت أيامًا رائقة حقًا ، لكن السؤال يبدأ من : وماذا بعد بناء الأهرامات و أبو الهول ؟

سيجلس (حتب ) و ( من – رع ) على قهوة ( خوفو الجن ) .. يحتسيان المشاريب ، ويعبثان بالنرد والقشاط ، ويخططان لمستقبلهما الباهر .

حوارهما أشبه بالمتاهات الإغريقية ، وبدلا من أن يُسجن فيها حيوانًا أسطوريًا مثل المينوتور ، قررت الحياة أن تتلاعب مع شباب البلد بهذه الألعاب العبثية .

(حوار عواطلية) أشبه بهذيانٍ مجنونين يأسا من الحياة ، وتدور أحلامهما جامحة ، وتلف حول ذاتها لتصل في كل مرة إلى نقطة البداية ، وهي البحث عن عمل .

ربما كانت المشكلة الأساسية التي يتناولها العمل هي [ البطالة ] ، التي تم تناولها بشكل مباشر ، وبطريقة سردية ، ربما فرضتها المعالجة المتمثلة في حوار العاطلين ، وإن أشارا إلى البطالة الفرعونية المقنعة التي كان يتم مداراتها ببناء الأهرامات والآثار الفرعونية .

أشار العمل إلى الواسطة ، والمصالح المشتركة ، التي تضع الرجال غير المناسبين في الأمكنة غير المناسبة ، وتصل بالنابغين إلى إلقاء أنفسهم في حابي هربًا من الواقع الأسود . وإن تم تناول هذه التفاصيل بطريقة مباشرة جدًا ، وبأسلوب سردي بحت ، مثلها مثل مقدمة القصة المباشرة أيضًا .

ميزة العمل أنه لم يتوقف عند مشكلة عاطلين يقفا على أعتاب الحياة ، ويشاهدا عبر أسلاكها الشائكة الأحداث الدامية المصطرعة بالداخل ، وعارضا فكرة أن تنته المشكلة بوظيفة تافهة ، يقضي فيها الشاب أيام عمره ، ويفقد معها شبابه وطموحه.

فالمشكلة الحقيقية ليست مشكلة بطالة قدر ما هي مسألة مصير، ومعركة وجود .

مصير شباب يحملون بين جوانحهم حماسًا فائرًا ، وأحلامًا هائجةً ، وإرادات مستميتة ، لكن الحياة تأكل منها بأساليبها المختلفة : عدم توفير فرص عمل ، توفير فرص عمل غير مناسبة ، أو التقليل من شأنهم واحتقار أحلامهم . مما يحول هذا الحماس والإرادة لتحقيق الحلم إلى قنواتٍ عير شرعية ، وغير أخلاقية ، وهو مالم ينته إليه العمل .

هل كان الفراعنة يأوون إلى المقاهي ، يحتسون المشاريب ، ويتحسرون على أيام بناء المعابد والاهرام ، حيث كان يتم التعتيم على البطالة المتناثرة في الشوارع ، وكانوا يجدون عملاً يظفروا من خلاله ببعض السحاتيت ؟

الفكرة في ذاتها تحمل السخرية من العصرين الفرعوني والحالي في آنٍ واحد وهنا مكمن الإمتاع.

***

في ( سكة اللي يرووح ) أو (ماستر بيس ) المجموعة ، نلقى رونق التوهج للكاتبين ، وأنضج قصص المجموعة في تناول فكرة المقابلة بين العصرين ، بمعالجة أدبية فائقة الإمتاع ، وتناول ساخر فكاهي يختلف كثيرًا عن التناول الساخر السوداوى لمعظم أعمال المجموعة .

رسم الكاتبان فيها حُلم المواطنين ، ثم مايصلون إليه بعد انهزامهم . الحُلم الذي يلتف حوله أصحابه ، فيجتمعون على قلب رجلٍ واحد ، من أجل الوصول إليه . ثم مايفضي إليه الأمر في النهاية .

وطنٌ معادٍ ، وسلطات فاسدة ، وحكومات مستهترة ، يصيبون المجتمع بالإحباط والفشل ، ويصلون به إلى حدود الانحلال والجنون .

المجتمع الذي أصابه القائمون عليه بالفصام ، وأفضوا به إلى عصور الظلام . والنهاية التي تحول لها مصير الحُلم : الموت ، الخيانة ، تفسخ العلاقات الانسانية ، وغيرها .

ربما أفلت الأمر قليلاً من الكاتبين حينما تخيلا أن الأم كانت تُفضل موت ابنها كي تقبض معاشه وتتمتع به ، لم يصل الأمر إلى هذا الحد بعد ، ربما تبيع الأم ابنها من أجل المال ، ومن أجل إعطائه فرصة حياة أفضل كما قد تظن ، لكن أن تتمنى موته من أجل بعض المال؟؟!

تمثل هذه القصة بالنسبة لي أفضل قصص المجموعة ، ولا أعرف كيف فات الناشر والكاتبين تسمية الكتاب بعنوانها الموحي جدًا ، والذي يرمز لأكثر من معنى ملهم ، خاصةً إذا ما كان تصميم الغلاف عبارة عن عبّارة فرعونية متخيلة لها هيئة مراكب الشمس ، تحارب الأمواج وتغرق مقدمتها وسطها ، وقد تساقط الفراعنة منها يصرخون ، وفي الأفق شاطئ (بلاد برّة ) وتمثال حريتها المشهود ، مع عنوان ( سكة اللي يروووح ) .

معانٍ كثيرة يمكن تقديمها من خلال تصميم كهذا ، معانٍ تمثلها قصص المجموعة ، ويحملها هدف الكتاب .

لقد جاءت مجموعة ( حوار عواطلية ) كمعولٍ هائج لتحطيم الطوطم الفرعوني ، الذي لا يجرؤ أحدٌ على المساس به ، والذي ساهم بدرجةٍ ما في مزيدٍ من الاستهتار والدعة لدى الكثيرين – خاصة أصحاب السلطات ، ورجال الإعلام – في مقابل التشدق بمجد الايام الغابرة .

وارتاح المصريون إلى أجدادهم ، وأمجادهم ، ليصابوا بالبارانويا ، وتغدو كل تفسيراتهم لمشكلاتهم وحياتهم مستوحاة من فقة نظرية المؤامرة .

بالتالي نكون بمجموعة ( حوار عواطلية ) أمام محاولة جادة في رداء ساخر لعلاج أحد أسباب المرض الذي أودى بنا إلى ما نحن عليه من حال اجتماعى وثقافي وسياسي وسلوكي. وإن كان علينا بعض المثابرة ، والمزيد من المحاولات في الطريق ذاته ، لأن الأمراض المجتمعاتية ليست مجرد زكام يزول بأول قرص (اسبرين ) .

ربما احتاج الكاتبان إلى مزيدٍ من التدقيق التاريخي والجغرافي في عملهما المشترك ، فمن المستفز فعلاً أن يُكتب في عنوان على الغلاف الخلفي للكتاب ( إغريق 2113 ق.م ) ، لأن الحضارة الإغريقية أتت في أذيال عصر الفراعنة قبل أربعة أو خمسة قرون من الميلاد ، وليس قبل ألفي عامٍ من الميلاد .

ولم تتواكب الحضارة الإغريقية مع الحضارات ( الفرعونية – البابلية – الفينيقية ) لقد تعامل الكتاب مع حضارات ماقبل الميلاد كأنهم سلة واحدة ، وهذا غير جائز خاصة بالنسبة للعمل الساخر الذي يستوجب الدقة حتى تأت سخريته في محلها .

كذلك تعاملت المجموعة مع ( بلاد بونت ) على أنها أوروبا ، ولا أفهم كيف تسنى ادعاء هذا ، فبلاد بونت بلاد عربية في الأساس توجد في اليمن ، وهناك كثيرون ممن يدعون أنها أصل الفراعنة حيث نزحوا منها إلى مصر والسودان .

على كل حالٍ هذه النقاط ليست جوهرية في معالجة قصص المجموعة ، ويمكن تفاديها فيما بعد ، خاصةً إذا صدرت طبعة ثانية للكتاب ، وهو ما أتوقعه بشده ، وأتمناه .

بقى أن أقول أن الفكرة في أساسها ملهمة ، ولم تكفها قصص المجموعة ، ولا يكفيها كتاب واحد ، ليس أقل من ثلاثة كتب . فهي تفتح المجال لعشرات الأفكار الهامة ، وتعطى القدرة على إطلاق الجموح والخيال بأقوى ما يكون .

وقد تصدى لها أديبان واعدان .. يملكان أدواتهما جيدًا ، ويعرفا كيف يلجما جموح الأفكار ، ويروضا فرس الأدب الثائر .

مصطفي يحيي

يوتوبيا: حينما يلامس الخيال الحقيقة

سحر الكلمة

أما قبلُ، فإن يوتوبيا هي صرخة تحذيرية مجلجلة في الوقت الذي نمدّ فيه الإسرائيليين بالغاز وتستند الصناعة المصرية إلى مكوّناتٍ إسرائيلية لازمة لترويجها في السوق الأجنبية.
في رواية يوتوبيا الصادرة مؤخرا عن دار ميريت بالقاهرة للأديب أحمد خالد توفيق، نفاجأ بخيال رجيم كلنا نحذر منه بعد أن عاينا إرهاصاته الأوّلية في واقعنا المصريّ عقب الانفتاح الاقتصاديّ الذي بدأه السادات. وعقب التعاون الاقتصاديّ بين ثلة من رجال الأعمال المصريين مع أمريكا وإسرائيل مجسّدين الوجه الآخر
-الأقبح- للرأسمالية ألا وهو الاحتكار.
ففي يوتوبيا بقدر ما يغرّنا اسم الرواية، بقدر ما نفزع كلما توغلنا أكثر وأكثر في صفحاتها المؤلمة الصادمة. ففي الساحل الشماليّ انعزل ذوو الحكم والمال والنفوذ عن عامّة الشعب محوّطين أنفسهم بسور باطنه فيه (الرحمة) وظاهره من قبله العذاب والجوع والفقر، حيث المشرّدون وحيث استوى ههنا الفقير مع ميسور الحال على أرضية واحدة تدعى أرض الأغيار.
يوتوبيا أفضل من ألف صرخة وألف مؤتمر وألف مقالة. ذلك أنّ الأدب عندما يلامس الروح يُشجيها.
تدور أحداث الرواية في فلك عام 2020 أو ما يليه بقليل. (هذا الجرح أجراه لي طبيب إسرائيلي متخصص في هذا الفن..يقول درسه في نيويورك..كان اسمه إيلي، وكان شابا ظريفا..قال لي إنّ أباه أصيب بجرح ممائل في حرب عام 1973 مع المصريين، وسألني إن كنت أذكر شيئا عن الموضوع..قلت له إنّ لي عما توفيَ في هذه الحرب، لكني لا أعرف التفاصيل..هذه أمور مرّ عليها خمسون عامًا…) هكذا!..صار الإسرائيلي يقطن بمصر دون مكدّرات ولا منغّصات برفقة مصريين (غرباء) وهذا ما يتمناه الإسرائيليون بلا شك، وما لا يجد الخونة المنسوبون إلى أرض مصر الزكية الطاهرة ظلما وبهتانا غضاضة فيه، وفي إجرائه تحت اسم التطبيع والسلام.
أقترح تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، أتمنى نجاحه وخروجه بالمستوى المطلوب.
(من أنا؟..دعنا من الأسماء..ما قيمة الأسماء عندما لا تختلف عن أي أحد آخر؟) هكذا يقول راسم الغرّ من يوتوبيا، يبغي اللهو ولا يجده مثيرا وممتعا وهو مازال في السادسة عشرة من عمره بعدُ إلا بالصيد (حيث يتوارى الموت خلف الأسلاك الشائكة، فلا يصير إلا لعبة يحلم بها المراهقون) هكذا يمكنك أيها اليوتوباوي صيد من تشاء من (الصراصير) التي بالخارج مسريًّا عن نفسك مفرّجا عن همك وغمك لأن من بالخارج لم يعودوا بشرًا منذ وقت طويل.
في يوتوبيا حيث الآيات المقلوبة: (القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدّرات. لا أفعل بها شيئا سوى الغياب عن الوعي. في الماضي –تصوّر هذا- كانوا يقرؤون من أجل اكتساب الوعي).
(لا جديد تحت الشمس ولا يوجد شيء واحد يمكن تعلمه بعد هذا..هناك خلل اجتماعيّ أدى إلى ما نحن فيه، لكنه خلل يجب أن يستمرّ..كل من يحاول الإصلاح يجازف بأن نفقدّ كل شيء) الصواب المطلق آفة المتطرفين أينما كانوا وحيثما وجدوا، والصواب المطلق عن حق هو الديمقراطية وتقبل الآخر.
كيف يعيش الشاب في يوتوبيا؟. يقول راسم: (أصحو من النوم..أفرغ مثانتي..أدخن..أشرب القهوة..أحلق ذقني..أعالج الجرح في جبهتي ليبدو مريعًا..أضاجع الخادمة الأفريقية..أتناول الإفطار..أصبّ اللبن على البيض وأمزق كل هذا بالشوكة..ألقي بالخليط المقزز في القمامة..أتثاءب..أضحك..أبصق..ألتهم اللحم المحمّر..أدسّ أصبعي في حلقي..أدخل غرفة نوم لارين لأفرغ ما بمعدتي على البساط..أضحك..أدسّ أصبعي في أذني..آخذ زجاجة ويسكي من البار وأجرع منها..أرقص..أترنح..أقف فوق أريكة..أتقلب على البساط..أقرأ الجريدة التي لا تزيد عن اجتماعيات يوتوبيا..) هكذا يروي لنا راسم كيف يقضي يومه شاعرا بالملل بعدما فعل كل ما يمكن فعله في يوتوبيا. وهنا تثور في ذهنه من جديد فكرة صيد أحد الأغيار من خارج الأسوار والرجوع بتذكار هو قطعة لا بأس بحجمها من جسده!.
وهكذا يستدرج راسم وفتاته جرمينال ذكرًا وأنثى يقاربانهما في الحجم، يضربانهما، ثم يلبسان ثيابهما . ومن ثمّ يركبان حافلة العمال العائدة إلى أرض الأغيار متخفيان.
إنّ الصراع الرئيسيّ في الرواية قد تمثل بين اثنين مثقفين الأول هو راسم الصياد من مجتمع يوتوبيا الراقي، والثاني هو جابر الفريسة من عالم الأغيار.
الاثنان قد قرآ كثيرًا حتى ملا. القراءة بالنسبة لهما هي نوع رخيص من المخدّرات. لا يفعلان شيئا بها سوى الغياب عن الوعي. هذه وجهة نظرهما الملفتة للانتباه كما نرى. فكثير من الصغار الانطوائيين يقرؤون من أجل خلق عالم مواز لعالمهم الممل المقيت.
أعجبتني تقنية أدوات أحمد خالد توفيق السردية. فهو قد عبّر جيدًا عن طفل مراهق مدلل ثريّ فاسد. لاحظ تعبير (يا بنت يا ماهي!) الذي نقله أحمد خالد توفيق على لسان راسم كمثال على دقة وروعة لغة وأسلوب الرجل عند تقمصه لشخصية ما. كذلك عند نقله لحوار راسم مع لارين (ص 28).
(حكيتُ لها عن كثير عزة فقالت لي: اتنيل. فتنيّلت..) على لسان جابر. والذي هو إنسان عشوائيّ في عالم الأغيار بشبرا، طالما تذكر النساء اللائي عرفهنّ. ذلك أنه يبحث عن العاطفة المتأججة السامية لا الجنس والمتعة اللا إنسانية بعكس راسم. (حلم ما بعد الجنس) هذا هو ما كان يشغل بال جابر كثيرا، كان يحلم بالجنة النفسية، جنته هي عالم مثالي يتنفس فيه أريج الحب، ليوتوبيا حقيقية كان يرنو الغرض منها هو تحقيق سعادة البشر بصورة عادلة.
(الأرقام لا تكذب). هكذا كان جابر يحذر كل من يعرفه. (حُجاج) يهربون من الفندق ببلاد الحجاز!. ازدياد معدلات الجرائم في مصر عن ذي قبل: قتل. اغتصاب. تمييز جنسيّ عنصريّ تجاه الإناث. وأودّ أن ألفتَ النظر والانتباه إلى أنّ دعوات حضّ المرأة على عدم استكمال تعليمها ولزوم البيت، وتغطية سائر جسدها بلباس فضفاض بدعوى أنها كلها عورة، واختزال دور المرأة المجتمعيّ في الإنجاب وأعمال البيت فقط؛ كل تلكم الدعوات فيها خطر كبير على تقدم مصرنا الحبيبة. فالبلد الذي لا يتقدم، يتأخر. والإناث نصف المجتمع إن أغلقنا عليهنّ أبواب البيت بالأقفال والمتاريس عُدِمن الثقافة والفن والوعي اللوازم لتقدم أية أمة ترنو إلى الكمال والمثالية.
(أحيانا أشعر أنّ المصريين شعب يستحق ما يحدث له. شعب خنوع فاقد الهمة ينحني لأول سوْط يفرقع في الهواء) قالها جابر وهو الرأي الذي لا يبطل إبراهيم عيسى يردده دومًا ويخالفه فيه الكثيرون. شخصيًا أرجو من الفريقيْن وضع أطر فعّالة لتوعية الشعب المصريّ سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا بدلا عن إطلاق الأحكام المخيّبة أو الزائفة الخرقاء. وخير الأمور الوسط، وإن كنا لا ننكر وجود أزمة وعي سياسيّ واجتماعيّ ودينيّ في مصرنا الحبيبة نرجوا أنْ يتنبّه لها الشعب المصري سريعًا بيد أنّ مصيرنا واحد..وكذلك مستقبنا.
لا يخلو أسلوب أحمد خالد السرديّ دومًا من الدعابات: (أفضل الغشاشين طرًا هو من يغش المخدّرات..هذا رجل قديس يعمل لمصلحة الناس في رأيي..إنه مصلح اجتماعيّ ينعم بالمال) كما يعتقد ويقول ويفعل جابر.
قوم يوتوبيا هؤلاء مجانين بلا شك، أنصِتْ إلى نصّ مقاطع من أغانيهم التي أوردها المؤلف توقن بذلك:
(والآن يا صغيرتي انظري لي واتلي صلاتكِ الأخيرة..
إنّ عناقي المشبوب سوف يهشم ضلوعكِ..سوف أعتصر روحكِ ذاتها..
عندما تصعد إلى السماء مهشمة تستند على عكازيْن..
سوف تسألها الملائكة عمّا حلّ بها..
ستقول: لقد نمت مع الشيطان ذاته..
الشيطان الذي أثملته صرخات العذارى قبل الذبح..).
ساديّون. دمويّون. ملعونون في كل سماء:
(تنسحق الشمس إذ تطؤها أقدام الكوكب الأحمر..
تصرخ الملائكة خوفا..
أنتَ فريستي..أنتَ لي..
فقط عندما تصير جزءًا من خلاياي بعد الافتراس..
عندها تعرف معنى الأبدية..).
وفي الصدى البعيد يتردد قول عبد الرحمن الأبنوديّ في الرواية:
(إحنا شعبين..شعبين..شعبين).
الفجوة الكبرى الحادثة بين عالم الأغيار (الفقراء)، ومجتمع الأغنياء (يوتوبيا)، يشير الكاتب إلى أنها موجودة بالفعل هذه الأيام: (الصورة التي تريانها كانت موجودة منذ البداية ولكنْ بشكل غير واضح، ثم تضخمت شيئا فشيئا…يصير الأغنياء أغنى والفقراء أفقر، ثم تأتي لحظة يحدث فيها الانهيار) كما يقول جابر لراسم وجرمينال. وهذا بالفعل حاصل هذه الأيام بعد زيادة الأسعار بنسبة 100% وستزيد أكثر وأكثر، حتى يأتي الوقت الذي لن يشتري فيه الفقير ذهبًا، ولا بيتا، ولا طعامًا صالحًا، ولا كتبًا، ولا أملا، ولا حُلمًا، ولا..حياة!!.
في فهمي الشخصيّ للرواية فإنه بعد موتِ جابر وثورة الأغيار لموته، بقي راسم، وبقيت يوتوبيا -ولو لأجل بسيط- ذلك أنّ الكاتب أورد فِقراتٍ تتضمن أحداثا جرتْ لراسم برفقة جابر قبل أن يلتقيا.
هناك غلطات لغوية بسيطة ولكنها كثيرة في الطبعة الأولى أرجو أن يتغمّدها مصحح دار النشر برحمته في الطبعات التالية.
اغتصب جابر جرمينال فتاة يوتوبيا: (هذا هو النصر الوحيد الذي أستطيع تحقيقه..قهر هذه الفتاة ليس قهر أنثى بل هو قهر طبقة بأكملها. قهر ظروف…) هكذا يبرر جابر فعلته وإنْ لم يُكملها. وكذلك يبرر كل مغتصبٍ ومتحرّش سوأته هذه الأيام. وبدلا عن انشغالنا بدحض حجتهم علينا بتوفير الجنس للشباب، إما بتقليل كلفة الزواج عن طريق إلغاء الشبكة والمسكن المستقل للزوج أو الاكتفاء بغرفة فسيحة. أو عن طريق فتح باب الحرية الجنسية مع توخي الحذر من وقوع الحمل.
قال راسم وهو يغتصب صفية أخت جابر: (عندما هبّ الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض، هززتم أنتم رؤوسكم وتذرعتم بالإيمان والرّضا بما قسم لكم..هه هه..تدينكم زائف تبررون به ضعفكم..هه هه…) وهذا المقطع هو أهم مقطع في الرواية من وجهة نظري، فنظرة واحدة إلى موقف السلفيين الأصوليين في مصر من إضراب 6 أبريل تبرهن على اختياري. ذلك أنّ لفيفًا كبيرًا من دعاة الإسلام العرب يحثون الناس على الزهد، وعلى التقلل من متاع الحياة الدنيا من أجل آخرةٍ أبْقى. لذلك أغلب الملتزمين دينيًا فقراء، لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ولأنّ الانكفاء على الذات هو أسهل هروب، ولو أتيحت حياة أفضل ذات مستوًى ماديّ أعلى لهؤلاء لانتكس نصفهم عن الالتزام الدينيّ المفتعل.
النهاية مفتوحة. وهي مناسبة لرواية خيالية استشرافية لواقعنا كيوتوبيا.

أما بعدُ، فأنا لست من عشاق أحمد خالد توفيق وإنْ كنت من محبيه ومعجبيه، ومن المتابعين لأحدث ما يكتب وعلى الأخصّ مقالاته الأسبوعية بجريدة الدستور، ولكنني أمام عمل إبداعي فنيّ عالي المستوى وعلى درجةٍ كبيرة من الرقي والاحتراف. لذا، فلا مفرّ من الأخذ بتحذير دكتور أحمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا من الذي يجري بمصر الآن خاصة مع تفاقم التطبيع مع إسرائيل، والفجوة الكبرى بين الطبقتيْن العليا والسفلى، وارتفاع معدّل التطرّف الثقافيّ والإجراميّ. فالعمل عمل رائع يستحق منا القراءة والتصفيق والتحية.

أحمد منتصر
في
جمادى الأولى 1429

رؤية لرواية (يوتــوبيــا)

“كنت أقول لهم:
– هأنتم أولاء يا كلاب قد انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب..! لقد أنذرتكم ألف مرة.. حكيت لكم نظريات مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أورويل وهـ. ج. ويلز.. لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون.. الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي، وبين الشماتة فيكم لأنكم الآن فقط تعرفون..”
عندما نتحدث عن (يوتوبيا) فإننا نتحدث عن الرواية الأولى للدكتور أحمد خالد توفيق بعيداً عن نمط السلسلة، وعندما نتحدث عن (يوتوبيا) فإننا نتحدث عن عمل يستحق أن نتحدث عنه..
نزلت أجزاء هذه الرواية بداية على صفحات جريدة “الدستور” ولاقت اهتماماً وإقبالاً ملفتاً، ثم نشرتها دار “ميريت” ولاقت رواجاً خاصة بين جيل الشباب الذين كان من المتوقع أن القراءة بدأت تضمحل بينهم..
المهم عندي هنا ليس ذلك كله فنحن هنا لا نبحث عن الجانب التجاري والدعائي، ولذلك سأدخل إلى الصلب..
أولاً: الموضوع:
(يوتوبيا) كمصطلح يشير إلى المدينة الفاضلة حسب رؤية أفلاطون، وهذا اللفظ استخدم كثيراً في الأعمال الأدبية والسينمائية، وهنا قد استخدمه أديبنا الرائع د/ أحمد بنوع من السخرية التهكمية حين وصف به تخيلاً لمستعمرة خاصة بالأغنياء على الساحل الشمالي في مصر عام 2020.. ومن هذه المدينة الماجنة الفاسدة أخلاقياً والتي فقدت كل قيم احترام الآدمية يخرج شاب في السادسة عشرة من عمره وهو بطل القصة في رحلة لتجربة شيء لم يجربه قبلاً.. رياضة استحدثت لسد الملل الناتج عن إتاحة كل شيء من جانب والاحتقار المتناهي للأغيار – وهم عامة الشعب من الطبقة الفقيرة – من جهة أخرى، ألا وهي رياضة صيد الأغيار..
يخرج الشاب متسللاً مع صديقته من بين حراس المارينز الذين يحرسون (يوتوبيا) ليصل إلى ما كان يسمى بشبرا، ومع تسلسل الأحداث يتعرف على “جابر” البطل الثاني في القصة، ويكون هو الصيد المرتقب، ومن خلال الأحداث يتنقل بك د/ أحمد إلى تصور لحال مصر بعد هذا الحاجز الزمني القصير، وكيف سيكون الحال من انحطاط أخلاقي سواء بين الأغنياء من فحش ثرائهم من جهة وبين الفقراء بسبب اللاآدمية التي يعيشونها من جهة أخرى، ويتأتى على وصف مؤلم لأحوال كلا الجهتين مع عرض لرؤية البطل اليوتوبياوي وتأثره بما حوله ثم رؤية “جابر” البطل الفقير وتأثره هو أيضاً بما حوله، وكل هذا ينسج بعبقرية خلال الأحداث فلا تستطيع أن تقول أنك قد أصابك الملل ولو للحظة..
* ما يتعلق بالموضوع في وجهة نظري:
عرض د/ أحمد رسالة تحذيرية قوية للمجتمع في هذه الرواية، وعرضها بروعة وجمال، ولربما كان استخدامه لأسلوب سرد الشخص الأول – أو المتحدث – دوراً رائعاً في عرض وجهتي نظر البطلين دون إملال، وطبعاً هو أسلوب صعب ولكن د/ أحمد متمرس فيه، والحبكة المستعملة ومحور الأحداث ممتاز، ولا يمكننا أن ننسى عنصر المفاجأة..
ولكن بعض السلبيات أضعفت عرض الموضوع، فمثلاً الحاجز الزمني القصير، فأحداث الرواية تدور في عام 2020 وهو عام قريب جداً، وهذا يفقد الرؤية تأثيرها ومصداقيتها كما يسرع من ضياع قيمة الرؤية بعد بضعة أعوام من الآن، قد يقال العكس وهو أن هذا يشعرك بمدى انحدار الأحوال الآن، ولكني عند رأيي أن الحاجز الزمني قريب أكثر مما ينبغي وهو ما أتى برأي الكثيرين ممن سمعت عن كون الرواية مبالغ بها أو سوداوية أكثر مما ينبغي، بالطبع أنا أخالفهم في هذا لأن المبالغة في الرواية أتت كما ينبغي تماماً، فالصورة أتت واضحة ومؤثرة، كما أتت بحجم المبالغة المطلوب ليرسل الرسالة..
ثانياً: الأسلوب:
الأسلوب المستخدم في سرد الرواية هم أسلوب المتحدث أو المتكلم أو علمياً الشخص الأول.. هو أسلوب صعب في الكتابة ولكنه أكثر وقعاً، وهو أفضل الأساليب في عرض الأفكار والرؤى وهو أسلوب يتقنه د/ أحمد خالد توفيق خاصة بمزيج السخرية التي يضعه عليه، الروعة هنا أنه لم يستخدمه للبطل فحسب، فقد قام د/ أحمد باستخدام الأسلوب مرة لكل من البطلين، فجزء يأتي بعنوان الصياد ليتحدث فيه البطل اليوتوبياوي بمنظوره ثم يتبعه جزء بعنوان الفريسة ليتحدث فيه “جابر” وهكذا تتواتر الأجزاء، وهذا في وجهة نظري هو أروع ما بلور (يوتوبيا) في عرض الفارق الطبقي..
ثالثاً: الحوار:
الحوار في الرواية واقعي جداً حتى أ،ك تكاد تشعر بأصوات الشخصيات ونبراتهم تتحدث في أذنك، وأعجبني كثيراً طريقة الكاتب في التعامل مع الألفاظ المخلة بطريقة مهذبة لا تخدش الحياء، فهو حافظ في هذه الأجزاء من الحوار على كل من الواقعية والحياء، بالطبع هناك الكثير من السخرية الظاهرة في الحوار من معظم الشخصيات ولكن هذا منطقي بالنسبة للنماذج المطروحة..
تحفظي الوحيد على الحوار هو كم الألفاظ الطبية التي استخدمها د/ أحمد في الفصل الأول والثاني خاصة، وهي ألفاظ لا يمكن أن يفهم فحواها قارئ عادي بأي حال، كما أني لم أقتنع بالطريقة التي أقحم بها الثقافة على كل من البطلين، فهما مثقفان أكثر مما ينبغي..
رابعاً: نظرة عامة:
(يوتوبيا) رواية متيزة، وتجربة تستحق أن تخاض، ورسالة يجب أن تصل، وهي شيقة جذابة في معظمها، ويكفي أنها خطت بقلم د/ أحمد خالد توفيق، ولكن كمجمل عاب بها عيب بيّن..
فأنا أرى أن د/ أحمد قد استعجل في كتابتها كثيراً، لقد كانت تستحق أن تكون أكبر مما هي عليه، كما أن بعض اللحظات القوية في الرواية لم تأخذ حقها مما يشعرك أن الكاتب كان شغوفاً بإنهائها لدرجة أضاعت إتقانها في بعض الأماكن، وربما لو استغنينا عن السطور المكررة التي استخدمها “جابر” في بداية سرده لوجدنا أن الرواية صغيرة جداً..
(يوتوبيا) كمجمل عام في رأيي.. عالم كبير ورؤية واسعة ورواية ممتعة في كتاب صغير..

د.أحمد جمال شريف

قراءة في رواية الرائع أحمد العايدي : أن تكون عباس العبد ..

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في رواية : أن تكون عباس العبد ..

الاسم : أن تكون عباس العبد

المؤلف : أحمد العايدي

دار النشر : دار ميريت

عدد الصفحات : 126 صفحة

النوع : رواية واقعية – إجتماعية – غموض

ضمير السرد : ضمير السرد الشخص الأول + ضمير السرد الشخص الثاني ( المخاطب )

حسنا ..

أولا رواية رائعة في نظري .. لم يجعلها متميزة سوى أنها قصيرة , أعتقد أنه يوجد تقسيم للروايات أجنبيا و أتذكر أنها تقع ضمن قائمة novallete أو هكذا أذكر ..

على كل حال لن نختلف .. و لن يختلف اثنان – في رأيي – على روعة هذه الرواية

بالطبع لي نقاط سأتحدث عنها .. لكني أحب أن أهنئ أستاذ أحمد عليها .. طبيعتي تحتم علي أن أُعجب بمن يكتب بأسلوب الغموض و الحبكة الخفية ..

حسنا .. ما رأيكم أن أبدأ الثرثرة ؟

ذكرياتي مع أن تكون عباس العبد تمتد لثلاث سنوات تقريبا .. كنت أسمع الاسم كشبح .. و عادة ما يتم ربط الاسم بشيئين : اللغة السايبرية .. و حبكة فيلم نادي القتال !

لكني لي آراء أخرى ..

بعد قرائتي لها لأول مرة .. سأقول عما شعرت به .. قد يكون صحيح و قد يكون خاطئ .. الأهم أنه مختلف !

اللغة السايبرية ..

حقيقة لم أتعرف على هذه اللغة قط في الحوار أو السرد !

اللغة السايبرية التي أعرفها تعتمد على الاختصارات .. تعتمد على وضع (2) بدلا من ( two ) و كتابة ( 2B ) بدلا من ( to be ) .. لكن ما وجدته ليس لغة سايبرية جديدة على عالم الأدب الروائي .. إنما اهتمام بصورة إخراج العمل بشكل جديد ..

فحركة كالتي قام بها لتوضيح أن عباس داخل عوني .. كانت حركة تعبر عن كل شيء حقا .. وربما كان المزج بين بعض المصطلحات الأجنبية سويا مع العربية ك ( package ) أضفت لمسة جديدة و نكهة رائعة .. لكن استخدام ( البعض ) لا يجعل ( الكل ) مثله .. أو هذا رأيي ..

لهذا لا أتفق مع من يقول أنها جاءت بلهجة سايبرية ..

بالمناسبة .. أحيي أحمد الرائع على مجهوده في متابعة العمل حتى في عملية الإخراج .. المجهود واضح حقا ..

نتحرك لنقطة تالية مهمة ..

الحبكة !

بداية دعوني أسرد لكم حبكة فيلم نادي القتال :

شخصان يقومان بعمل نادي مخصص للقتال .. الأحداث لا تهمنا بقدر ما يهمنا أن نعرف أنه شخص واحد فقط و بالتالي فهو مصاب بالإسكيزوفرينيا ( و هي الشيزوفرينيا للناس العاديين لكن المسمى خاطئ طبيا )

ماذا عن حبكة الرواية هنا ؟

ببساطة شديدة الحبكة هي اثنان مصابان بالإسكيزوفرينيا يديران أحداث الرواية .. و كما هو واضح الحبكة مختلفة !

وبالنسبة لمن يفكر أن نادي القتال الوحيد أو الأول في نوعه لاستخدام حبكات الطب النفسي فأنا لا أعتقد ذلك .. استخدام تلك الأمور منتشر غربيا .. لكنه ليس متواجد عربيا للأسف ..

لهذا أهنئ أحمد مجددا على هذه النقطة ..

بعدما قلت ما أريد قوله و هنأت كما أريد , لنتجه صوب أمر مهم هنا .. الحبكة !

حين انتهيت من القراءة تسائلت : كيف فعلها ؟!

أولا نسيت أن أقول أنني أنتمي لنفس مدرسة أن تكون عباس في الكتابة .. لا أعني بالقطع المشاكل النفسية لكني أعني جانب الحبكات الخفية .. ولأني مهتم بتحليل كل ما يقع تحت يدي – وهو شحيح – من تلك النوعية فلم أنم ليلتي و لا الليلة التالية دون أن أصل لقرار .. وقد وصلت !

لا أعلم هل هو صحيح أم لا .. لكني سأقوله ..

كي أحكم على رواية ما يجب أن أضع نفسي مكان قدمي كاتبها و أتسائل : كيف فعلها ؟!

هنا سأقول تسلسل الأحداث في نظري ..

الرواية كانت كالتالي :

مريضة نفسية مصابة بمرض الإسكيزوفرينيا يقرر طبيب أن يعالجها باستخدام طريقة غريبة ( معذرة المقطع ذاك من الرواية ليس بيدي حاليا ) تعتمد على تحويله لمريض نفسي مثلها ..

هذه هي الحبكة .. لكن ككاتب أستطيع أن أقول أنه من خلال هذه الحبكة توجد عدة مناطق حساسة .. و يوجد مفتاحين لكشفها ..

بالطبع تعلمت أنه حين أكتب بتلك الطريقة يجب أن أفعل كل ما بوسعي لجعل قارئي يبتعد عن الحبكة تماما .. لا يدركها إلا بعد فوات الأوان .. ولنجاح أحمد ها هنا الساحق علي ككقارئ يجعلني أقول أنه نجح .. ولأنه نجح يجب تحليل هذا النجاح جيدا للاستفادة منه .. فماذا فعل العايدي لخداعي علي ككقارئ ؟

ببساطة أدرك أن البداية هي كل شيء ! ولهذا اختار بدايته بصورة جيدة ..

كذلك أدرك نقاطه الخطرة الحساسة التي يمكن أن تكشف روايته .. يمكنني أن أطلق عليها مفصلات الحبكة .. مواطن التحول .. مناطق الخداع .. لكن ككقارئ يمكنني دعوتكم لقراءة آخر الصفحات و التي حددها العايدي بنفسه بصورة مستفزة لي كقارئ و هي :

اقتباس:

-“استنى كده يا ابني اما اشوفهولك “

تقولها و تغيب . أنتظر . أنقر أصابعي . أهرش ( منطقة الملل ) المعتادة – لعلك تفهم ما أعنيه – و أنتظر .

أحدهم يطرق باب غرفتي فأصرخ …
اقتباس:

-قال بأن اسمه ..

“عباس العبد “

مد يُمناه فالتقطتها بيسراي لأن يمناي مشغولة
اقتباس:

-لم اسأله عن اسمه . و لم أعرف ما لون مشروبه المفضل .

كان صامتا طوال الوقت , يتجاهله الآخرون و كأنه هواء.
اقتباس:

-“هو انت , لا مؤاخذة كنت بتكلم مين ؟؟ “
اقتباس:

-“ومين قال لك إني ضربهم هنا ؟! “

“يعني إيه ؟ !! “

لكن ..

“أنا ضربتك انت..

.. دخلت عليك زي ما اكون عايز ابططك ..

.. ديب .. ديب ديب ..

“إلحق ياه ده بيضرب نفسه !! “

..تقولش بانفض سجادة “

“تصور ..

..العيال بقت هي اللي تحوش و يمسكوا فيا و ..

..هاتك يا ( خلاص يا كابتن ) ..

..على بوس دماغ و تحجيز “
اقتباس:

-“أنا فين ؟؟ “

“بيتك و مطرحك “

هذه هي المناطق التي يعرفها العايدي جيدا .. يعرفها لأنها مناطق حبكته الحساسة .. لو نظرنا لأي مقطع منهم سنجده يحتمل أمرين .. لكن نحن انسقنا وراء أمر واحد .. وهذا هو هدف الكاتب حين يأتي لتلك المناطق .. تشتيت انتباه القارئ عنها حتى لا يفكر فيها بطريقة أخرى ..

ببساطة جعلني العايدي أتجه صوب التفكير في ما سيحدث مع هند التي تكتب على حوائط التواليت و على المتحف المصري نفسه و عن عباس المختفي وعما يمكن أن يفعل فيه عبدالله .. لكن حقيقة الحبكة لم أرها قط و كانت بعيدة كل البعد عن منطقة تفكيري ..

بالطبع هي موهبة أولا من عند الله .. و توفيق كذلك .. لكن يجب أن نعلم أن خطأ واحد ولو صغير ها هنا كان سيكلف العايدي و أي كاتب في مكانه غاليا .. ولهذا أحييه على تخطي هذه العقبة !

قلت هناك مناطق حساسة و مفتاحين .. ما هما ؟

المفتاحان ببساطة شديدة منطقتان شديدتا الأهمية .. شديدتا الأهمية بمكان أن واحدة منهما تكفي لكشف الأمر برمته أو ذرع الشك الشديد في نفس القارئ ..

الأول :

المفتاح الأول هو موقف شاهندة ..

تخيل معي الحبكة مجددا ..

عوني يحب شاهندة

جاء من أمريكا لرئاسة القسم بعد حدوتة طرده التي فيها إسقاط صارخ على الواقع المرير لدينا ..

بعد هذا جاءت تلك المريضة .. هند .. مريضة نفسية .. حينها قرر عوني أن يتدخل ..أن يتدخل و يعالجها ..

لهذا قام بعمل ما لا أعرفه ولم يذكره العايدي ليتحول لحالة هند .. و تقرر أن تكون البداية لدى شاهندة ..

فهي بداية تعرفه على عباس .. الجلسة الطبية تلك التي تعرف فيها على عباس لأول مرة ..

شاهندة هي المفتاح الأول في نظري .. لو علمنا أن الأمر بدأ من عندها لشككنا بأمور و أمور .. شاهندة هي حلقة وصل هامة بين ما حدث سابقا و ما سيحدث تاليا .. لهذا قام العايدي بإخفائها بمهارة أحسده عليها حقا ..

ما أسهل وسيلة لخداع أي شخص ؟

أن تضع ما يبحث عنه أمام عينيه مباشرة .. فلن يراه !

لو تتذكرون منطقة شاهندة جيدا .. حين تدخل العايدي بها في الرواية قام بتوضيح أنها غير مهمة .. وضحها بصورة رائعة .. ( …. ) و ضع في القوسين أي اسم تراه محببا لك .. ثم أخبرنا بعد ذلك أنها شاهنده .. أي باختصار شديد قام بخداعي و جعلي أوقن في داخلي أنها غير مهمة ! لكنها كذلك ..

لهذا أحييه عليها ها هنا ..

ماذا عن المفتاح الثاني ؟

حقيقة كنت أرى أنه في الأساس يوجد مفتاح واحد فقط وهو هذا الذي سأتحدث عنه لا غير .. لكني بعد فترة تفكير وجدت أهمية دور شاهندة الحقيقي .. فقررت البدء به ..

ماذا عن المفتاح الأهم ؟

ماذا لو أنك عرفت منذ البداية أنه عوني ؟!

ببساطة شديدة ستفكر في أن تلك الطريقة الغريبة هي طريقة عوني .. ستفكر في أمور الطريقة .. ستشك في كل شيء .. و هذا آخر شيء -كما أتصور – كان يحلم به العايدي .. ربما كان كابوسه ..

لدي نظرية .. أشعر أنها عكس كل ما قيل ها هنا لكني سأقولها و السلام ..

بما أن العايدي يعرف ذلك جيدا .. فكان عليه ألا يستخدم عوني على الإطلاق في الرواية .. ولكن كيف ؟

دعوني أذكركم بالحبكة مجددا ..

عوني طبيب نفسي تأتيه شاهنده بمريضة جديدة أراد أن يجرب عليها طريقة العلاج تلك .. تم التحويل و انتهى و عوني و عباس – الشخصية الجديدة – كانا سويا في حجرة علاج شاهنده .. وهي أولى اللقاءات بينهما ..

لكن هل هذا حقا ما حدث ؟!

في رأيي ..

أن الشخصية الساردة للأحداث لم تكن عوني ..

بل كانت عبدالله ..

وهذا يفسر الكثير ..

بداية سأفترض صحة نظريتي ..

لماذا قام بها العايدي ؟

قام بها كي يخفي هذه المنطقة الضعيفة في حبكته القوية .. فلو سرد الأحداث بعوني لانهار كل شيء تقريبا .. و المخرج الوحيد الذي رآه هو أنه يُخرج شخصية جديدة في الأحداث تكون ساردة للأمور .. و من هنا يصبح تحول عوني ثنائيا .. لديه شخصية عباس و شخصية عبدالله ..

وهذا يفسر ببساطة لماذا انهار عوني حين أخبرته شاهنده في التليفون أن عبدالله قد مات يا عوني .. و هنا انهار عوني مرتين في نظري .. مرة بأنه مات – شخصيته الموجودة في عقله – و الأخرى أنه عوني – الشخصية التي كانت تخيفه طوال الوقت – ولم يصدق أنه عوني لأنه ببساطة كان يعتقد أنه عبدالله و أن عوني هذا مجرد شبحه الذي يظهر و يخيفه .. الحبكة المبنية على أن عوني هو عباس لن تكون حبكة من الأساس لو يعرف عوني أنه عوني .. ولو يعرف أنه هنا لمعالجة هند .. و هنا كانت واضحة للغاية حين تحدثت له شاهندة ببساطة و تلقائية على أنه عوني لانه من المفترض ان يكون كذلك !

ناهيكم عن أن السرد – كما أتذكر – لن يستقيم سوى بعبدالله ساردا و ليس عوني ..

لكن في هذه الفرضية عيب خطير ..

العملية العلاجية تقتضي أن يتحول الطبيب لمريض .. كما قال العايدي كقفاز يدخل في اليد و القفاز هو الطبيب و اليد هي المريض بدلا من أن تكون اليد هي الطبيب و القفاز هي المريض كما أتذكر .. لهذا فتحول عوني لثلاث شخصيات عوضا عن اثنتين خللا لهذه القاعدة ..

لهذا لدي تفسيرات محتملة :

-أولا أن العايدي لم يستطع سد تلك الثغرة سوى بتلك الطريقة و لم يجد التفسير على هذا الأمر و لو كنت أشك بقوة في هذا ..

-ثانيا أن العايدي قام بجعل الأمر أكثر تعقيدا نفسيا .. فلو نلاحظ أن كافة مقاطع عبدالله كانت تحمل حزنا من عوني نفسه .. ربما تكون شخصية عبدالله ظهرت على السطح من فرط ضعف شخصية عوني و تجزئتها لشخصيتين ..

ثالثا أن هند من الأساس شخصية ثلاثية و هنا سأضع الفتاة التي لعبت على نائب رئيس القسم الأسبق و الذي وشى بعوني سابقا كمرشح قوي ووحيد لتلك الشخصية حقا ..

على كل حال أجد أن تلك المنطقة هي أكثر المناطق حساسية و عدم إقناع لي حتى هذه اللحظة .. وإن كنت مقتنع تماما في داخلي أن عوني لم يكن الشخصية السردية للأحداث إنما كان عبدالله .. و هي مهمة للغاية ..

يتبقي أمر مهم .. من الطبيعي أن يتم سرد أحداث من وجهة نظر شخصية إسكيزوفرينية واحدة تتحدث لأشخاص طبيعين .. لكن هنا شخصيتين إسكيزوفرينيتين سويا في منطقة واحدة تتحدثان لبعضهما البعض .. وهذا أمر لم أستوعبه حتى هذه اللحظة ..

بالنظر لان عباس لم يتقابل مع هند في الرواية قط .. فقد استبعدت منطقة الخلل لدى عباس و عوني ..

و بالنظر لأن عباس أخذ الموبايل من عوني نفسه قبل أن يتحول عوني لأنه يعرف تليفون هند بالقطع ..

فهذا يفسر تصرف عبدالله مع هند بشخصيتيها ..

لكن ماذا عن تواجد إحدى الشخصيتين في المتحف المصري و الأخرى معه في المنزل ؟!

هل كانت قصة هند الثرية تلك مجرد وهم حقا ؟!

هل عاشت هند قصة تحركها و خروجها و .. الخ دون أن تتحرك من مكانها قيد أنملة ؟!

ما أعرفه – أو فكرت فيه – أن الشخصية الإسكيزوفرينية تقوم بتمثيل الدورين سويا .. هي من يتحدث هنا و من تفكر هناك .. من يسير هنا و من يعود ليخبط على سطح الزجاج هناك .. أم أن الأمر مجرد تحول فيا لشخصية دون تغيير فعلي في الأماكن أو فعل الأشياء ؟

وهذا يجعلني أتسائل .. الشخصية التي تقوم بالأحداث هل تكون حينها الشخصية الأقوى = الحقيقية و الأخرى الأضعف = الدخيلة ؟ أم أن الوضع تبادلي طبقا لحالة المريض العقلية ؟

و الأهم فوق هذا كله ..

لو كانت هند مريضة .. فلم لم يلاحظها عبدالله أثناء الحديث معها ؟

هل هذا من أجل الحبكة ؟

أم أن هناك أمر خلف هذه الحالة ؟

ما أريد قوله أن أمام الأشخاص العاديين يبرز من يكون لديه إسكيزوفرينيا واضحا بالتحدث بشخصيتين .. لكن الغريب أن يعترف شخص آخر بوجود الشخصيتين ولا يعلق عليهما حتى لو كان هو نفسه مريضا .. بل ويتحدث معهما كأنهما شخصيتين حقا .. أليس الأمر غريب ؟

على كلٍ لن أخوض في تحليلات الشخصيات أو المواقف ..

النقطة قبل الأخيرة هي أسلوب العايدي نفسه ..

لاحظت حين أقرأ كأنني أقرأ بأسلوب مكثف بشدة .. و قد وضح العايدي ذلك في أحد ردوده هنا بأنه يستخدم أسلوب التكثيف المتبع في القصة القصيرة .. أحب أن أحذره فقط من طغيان هذا الأسلوب لأنه كما أوضح – أسلوب قصة قصيرة – و أحب أن أهنئه لأنه واجه إغراء التطويل لتضخيم الرواية قليلا و لم يضع فيها – في رأيي – ما يمكن أن نصفه باستطراد ممل أو أمور لا تمت للرواية بصلة بغرض وضعها فقط أو التطويل .. أهنئه ..

فقط سأقول كلمة أخيرة

جعلتها في النهاية لأنني أراها خاصة بي وحدي

باستخدام أكثر ضمير سرد أكرهه – الأول – و باستخدام أكثر ضمير سرد يربكني في فهم الكلمات – الثاني – و استخدام طريقة السرد المكثفة المتبعة في القصص القصيرة و التي تجعلني أرتبك في محاولة فهم كافة المعاني المحتملة للكلمة و تدير رأسي و تسبب لي كثيرا الصداع .. أقول أنك قد نجحت في استخدام أدواتك جيدا و خداعي .. مرحى !

تقييمي لها 7 و نصف من عشرة .. لأنها فقط قصيرة و للمنطقة التي أوضحت أنها غير واضحة بالنسبة لي ..

و بالفعل أوثق على من قالوا أنه أديب بارع و مجدد ..

معذرة للإطالة .. و للثرثرة ..

تحياتي

الساحر ..

يناير 3, 2009

نقاش حول رواية أبنوس للكاتب ألبرتو باثكث فيكيرو ..

السلام عليكم

كيف حالكم ؟


في هذه الصفحة ستجدون حوارا في البداية حول هذه الرواية

أتمنى أن يعجبكم

تحياتي

الساحر ..

بهاء طاهر وواحة الغروب .. الرواية المثيرة للحيرة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في واحة الغروب .. للكاتب الجميل بهاء طاهر ..

السلام عليكم جميعا

كيف حالكم ؟

حسنا .

هي أول مرة أقرأ شيء خاص ببهاء طاهر , لم يسبق لي قراءة شيء له عدا ترجمته لرواية الخيميائي لكويلهيو ..

دعوني أجمل لكم الرواية في سطور ثم نستطرد سويا ما وجدته فيها ..

الاسم : واحة الغروب ..

ضمير السرد : الشخص الثالث المحدود , أو الأنا المتعددة , أو : limited third person POV

الصفحات : 345 صفحة

دار النشر : دار الشروق – الطبعة الثانية

السعر : 25 جنيها مصري

الإهداء : إلى ستيفكا أناستاسوفا

نوع الرواية : إجتماعية – تاريخية – نفسية

التقييم الشخصي : الرواية تستحق 7 نجوم من عشرة

نترك الأمور هذه جانبا و نتجه صوب رأيي الشخصي المجمل عن الرواية :

-هي رواية تستحق القراءة , على الرغم من عيوبها تبقى جيدة لا محالة , التجديد بها يجعلها تستحق القراءة بل و التدريس في طريقة استخدام ضمير السرد الرائع هذا , لكن لا أراها ترقى لمستوى مسابقة البوكر التي فازت فيها لتصبح أحد أفضل ست روايات في وطننا العربي هذا العام ..

ملخص عام للرواية :

الرواية تبدأ بالبطل , محمود , الضابط الذي عاصر أحمد عرابي البطل الذي تمت خيانته , و شاهد كيف تحولت البلاد من أيدي الخونة في البدء – الخديوي و أعوانه الباشاوات – إلى يد الوطنيين متمثلا في عرابي , ثم هزيمته و عودتها ليد الاحتلال مع الخونة ..و تعامله مع الوضع الجديد ..

على الرغم من كون الرواية تتعلق بفترة تاريخية حساسة في تاريخ مصر , لكنها لم تأبه بهذا , بل اتجهت نحو المواطن المصري لتحلل نفسيته في صورة جميلة .. صورة تجعلني أقول و بثقة أنها رمزية للمواطن المصري الحالي , الأغلبية السائدة من الشعب الذين يرفعون شعارا واحدا : و أنا مالي .. الأهم مصلحتي مش مصلحة البلد ..

تناقش الرواية في شخصية محمود شخصية العاصي الذي يريد التوبة , فالعصاة نوعان , من يعصي و يستمر بالسير في طريق الشر , و من يسير قليلا ثم يتردد داخله صوت ضميره فيتوقف , أو يرجع خطوات لكنه لا يترك الطريق , فيظل يتأرجح تارة بين الشر و تارة بين نفسه الأمارة بالخير , و هنا شخصية محمود .. شخصية المصريين حاليا بكل أسف ..

البطلة , كاثرين البريطانية , حقيقة تفاجئت بوجودها , بل و بزواجها من محمود , لكن حين علمت أنها أيرلندية صار الأمر واضحا .. أيرلندا لمن لا يعلمها بلد تحتله بريطانيا , أي انه بلد يشبه مصر كثيرا , و هذا جاء منطقي في تلاقي وجهات نظرها مع نظر محمود .. و كرهها للاحتلال .. و لكن السبب الأكبر في جعلها أجنبية هو هوسها بالأثار , الأمر الذي إن جعله الكاتب يصدر من شخصية مصرية فهو بكل تأكيد سيكون موطن تساؤلات و حيرة , ففي الوقت لذي تغوص فيه البلاد بالفقر و الدمار تخرج علينا شخصية أنثوية في عصر تتدارى في السيدات لتبحث عن أسطورة الأسكندر المدفونة في واحة من واحات مصر .. لهذا جاء الاختيار على شخصية أوربية , و جاء الاختيار ليس على الشراكسة لكرههم الشديد للمصريين , فجاء الاختيار على كاثرين الأيرلندية .. اختيار موفق بالفعل ..

إن شئنا التعبير باستخدام التعابير السينيمائية فسنقول أن البطل الأول هو محمود و البطلة الأولى هي كاثرين , ثم تظهر لنا صورة لأبطال الثانويين في الكادر بطريقة مبتعدة و متفرقة ..

يقولون أن البطل يتم تحديده بأنه محرك الأحداث , المحور فيها , و هذا يجعلني أضع شخصية ثانوية ترتقي سلم المجد لتصير شخصية بطلة هنا .. إنها الفتاة الصغيرة .. مليكة ..

كان لابد للكاتب أن يعالج قضايا إجتماعية محورية بالرواية , و هذا جاء في صورة مليكة , الفتاة التي تزوجت شخصا لا يقدر على أداء حقوقها الزوجية معها , ثم مات و صارت .. غولة !

غولة هو تشبيه للفتاة التي مات عنها بعلها لفترة ” لا أتذكر الفترة تحديدا أعتقد أنها ثلاثة أو أربعة أشهر تقريبا ” , و إن خرجت الغولة من حجرتها فهي مصدر شؤم للجميع .. و قد خرجت مليكة في حادثة تعتبر الأولى في تاريخ الواحة و من ثم حدثت أمور عديدة منها موتها \مقتلها , ثم ما حدث بعدها من تأنيب ضمير كان سببا في الوصول بالرواية للنهاية ..

هناك شخصية الشيخ يحيى وهو عاقل الواحة , و الشيخ صابر وهو ثعبان الواحة و قائد الأجواد – يعني قائد الواحة – , و الشخصيتان الأولى تمثل الصوت الناصح و الرأي السديد للمشاكل الإجتماعية – وهو رغم معارضتي الشخصية لتلك الطريقة لكن لأن الرواية لم تعالج القضايا الإجتماعية بصورة أساسية فلا بأس بتلك المباشرة في النصح – و الشيخ صابر جاء ليمثل لنا كيف يفكر الأشرار في مجتمع فاسد غير متعلم , و كيف يستغل الإنسان كل شيء لصالحه في مبدأ ميكافيللي .. الغاية تبرر الوسيلة ..

تأتي بعد هذا شخصيتان ثانويتان أساسيتان :

-وصفي

-فيونا

الشخصية الأولى شركسي جاء للواحة , شخص ذو نفوذ , جاء ليعمل مساعدا لمحمود في حركة أدهشته , فهذا المكان لا يطيقه أحد , لكن فيما بعد نكتشف أنه كان في السلاح الجديد الذي سيصير حاليا معروفا ب ” المخابرات العسكرية “

جاء به الكاتب ليكون وجها للشراكسة الذين يستعمرون مصر , و صوتا يعارض صوت ضمير محمود داخله و يجعله يتذكر كيف خان الباشاوات الشراكسة الوطني عرابي و تسببوا في دمار البلد .. و قد كانت شخصيته ناجحة في هذا الدور بالفعل ..

أما فيونا فدورها لم يكن سوى الملاك الطاهر الذي يكون راحة للاثنين .. لمحمود حيث يتذكر بطريقتها في سرد الروايات محبوبته القديمة , و لكاثرين حيث هي أختها و التي ترتاح لها .. أراد بهاء طاهر هنا أن يخرج نفسه من مأزق تسبب فيه استخدامه لأسلوب الأنا المتعددة , و لكن الشخصية لم تنجح في أداء هذا الدور .. لأنه ببساطة دور أضخم منها ..

بالطبع دور هام آخر , و هو توضيح أن التعامل مع البشر يجب أن يكون بنية حسنة صافية حتى يتجنب الجميع الخلافات فيما بينهم , فكاثرين حين جاءت هنا أول مرة كان الكل ينظر لها باشمئزاز , فهي الأجنبية الإنجليزية التي تعاون المصريين في احتلال واحتهم , لكنها حاولت أن تتقرب إليهم في سبيل مساعدتها للبحث في أثار الواحة المندثرة عن مكان قبر الأسكندر , لكن لأن نيتها ليست صافية فلم يعرها أحد أدنى اهتمام ..

ومع محاولات عديدة جنونية أحيانا في الأحداث نجد أنه بمجرد ظهور فيونا صارت هناك صداقة بينها و بين أحد السيدات في الواحة , حيث كانت معها بالقافلة و تحدثت معها و صادقتها و صارت تأتي لمنزل محمود من أجل فيونا و ليس لكاثرين , و على الرغم من كرههم الشديد لمحمود بعد حادثة الغولة لكن لم يمنع هذا من حب السيوية تلك فيونا في إشارة واضحة للمقارنة الجميلة التي نجح فيها الكاتب بمهارة ..

بعد هذا التحليل السريع للشخصيات نتجه صوب جزء جديد .. الإيجابيات و السلبيات بالرواية ..

لنتحدث اولا عن الإيجابيات ..

-ضمير السرد الجديد :

حقيقة لم أقرأ الرواية إلا لهذا الأمر , ربما كان غريبا على البعض قراءة رواية بتلك الطريقة , لكن في نظري الشخصي مستقبل الأدب الروائي الرومانسي و الإجتماعي يتعلق بهذا الضمير الأكثر من رائع ..

ضمير الشخص الثالث المحدود .. أو الأنا المتعددة .. limited third person POV

من المعروف لنا جميعا ضمير الشخص الثالث , و ضمير الأنا ..

الشخص الثالث هو التنقل بين عقول جميع من بالمشهد ون التركيز على رأي فرد واحد طوال الرواية

الأنا هو التحدث طول الرواية من خلال منظور شخصية واحدة فقط ..

معروف للكتاب أن الشخص الثالث يتيح لهم حرية تحرك لا حدود لها في الوصف , في توضيح وجهات النظر , في كل شيء , لكن على الرغم من تلك الميزة الرائعة هناك العيب الأخطر بها وهو أن القارئ لا يقدر على التعلق بشخصية واحدة فقط بصورة كبيرة .. فمهما كان دور هذه الشخصية و مهما صار تواجدها كثيرا طوال الرواية يبقى القارئ معزولا عن الشخصية لأنه ببساطة لا يعرف الكثير عنها و عن تفكيرها .. الأمر الذي يجعل بعض القراء يشعرون بالغربة من الروايات المكتوبة بتلك الطريقة .. (1)

بالنسبة لطريقة الأنا , فهي تمثل المخرج من هذا المأزق , فالكاتب يكتب طوال الرواية الأحداث من منظور شخص واحد فقط , و بالتالي القارئ يتعلق بتلك الشخصية بسهولة جدا , و يكون عالما بكل جوانب تفكيرها و حياتها , لكن تبقى العيوب الأكثر و الأخطر لتلك الطريقة متمثلة في عدم إتاحة المجال للكاتب في وصف المشاهد و نسج الحبكات بصورة قوية كما في الشخص الثالث , كذلك الثرثرة و شعور القارئ بالملل بسرعة من القراءة كابوس يهدد كتاب تلك الطريقة , و أخيرا ربما يكره القارئ الشخصية من أساسها و بالتالي تتدمر الرواية .. (2)

من (1) و (2) نجد شيئا جميلا .. أن هناك ميزة في كل نظام لا توجد بالأخرى , و عيوب أحدها هي مميزات الأخرى , و من هنا ظهرت طريقة الشخص الثالث المحدود .. أو الأنا المتعددة ..

باختصار شديد هي طريقة تعتمد على تقسيم الرواية لمشاهد ( فصول ) كل فصل \ مشهد يتم روايته بصورة فردية من منظور شخصية واحدة فقط , أي بأسلوب آخر هي مشاهد مكتوبة باستخدام ضمير الأنا , لكن حين النظر إلى الرواية ككل بعد تجميع تلك المشاهد\ الفصول سنجد أن لدينا عدة فصول مكتوبة بشخصية معينة , و عدة فصول أخرى مكتوبة بشخصية أخرى , أي أن الأنا التي تتحتم وجود شخصية واحدة فقط طوال الرواية لا يتفق مبدأها هنا , بل يتفق هذا الأمر مع واقع الشخص الثالث , حيث تعددية الأبطال الرواة طوال الرواية , و من هنا جاء هذا الاسم : الشخص الثالث المحدود .. الأنا المتعددة .. limited third person POV

شرحت هذا الأمر حتى لا يتظلم أحد من الطريقة الجديدة الغير معتاد عليها , لكنها ليست سيئة ..

ما هي إذن مميزات تلك الطريقة ؟

ببساطة شديدة هي تجميع لمميزات الطريقتين , فهنا يمكن للكاتب أن يوسع من ضيق الأفق الموجود في طريقة الأنا , فهو يكتب مشهدا مرة من منظور بطل , ثم مشهد آخر من منظور شخصية أخرى , و بهذا يتيح للقارئ مجال أوسع للتفكير و يساعد الكاتب على نسج الحبكة بصورة أكثر سهولة ..

نجد أيضا أن القارئ سيكون متعلقا بالشخصيات بكل سهولة ويسر أكثر من الشخص الثالث , حيث فترات ظهور الشخصية الطاغية بوجهة نظرها و طريقة تفكيرها على المشاهد تجعل من القارئ قريبا من الشخصية بشكل أكثر مما هو عليه في الشخص الثالث

تعددية الأبطال و تنوع آرائهم و إتجاهاتهم يتيح للقارئ الفرصة لانتقاء ما يحبه و نبذ ما لا يحبه بدلا من ترك الرواية من بابها مثلا ..

العيب الأكبر لتلك الطريقة هو العيب الذي لم يستطع الرائع بهاء طاهر – على الرغم من أنه استوفى كل شروط المميزات في الطريقة – تجنبه أو معالجته , و هو معذور من وجهة نظري الشخصية لأنه أول من أراه يكتب بتلك الطريقة بصورة مثالية هكذا , و هذا يجعلنا أمام تجربة مميزة تستحق الدراسة بعمق بالفعل ..

سأوضح العيب في منطقة العيوب ..

أريد توضيح أمر ..

هنا وجدنا التطبيق العملي على الضمير بتلك الصورة :

-فصل محمود يتم سرده بضمير الأنا حتى ينتهي من وجهة نظر محمود

-فصل كاثرين يتم وصفه بضمير الأنا حتى ينتهي من وجهة نظر كاثرين

و هكذا بالتبادل و ظهور فصول شخصيات أخرى مثل الشيخ يحيى بالصورة يجعل من الأمر بديعا ..

لكن من يفكر بالأمر هنا يجد أن هناك تحدٍ استطاع الرائع بهاء طاهر النجاح فيه بجدارة , و هو أمر يجعلني لا أقدر على القفز فوقه ولابد من توضيحه ..

ذلك الأسلوب المتبع من تبادل وجهات النظر للشخصيات لا مشكلة فيه , فكل شخصية ستورد رأيها فيما حدث دون أي تعارض مع وجهة نظر شخصية أخرى ..

لكن حين تجتمع شخصيتان أو أكثر على حدث واحد – وهنا أخص بالذكر حادثة مليكة – بالتفكير البسيط لأي كاتب سيجد أنه في مأزق حتمي ..

فالمطلوب هنا ببساطة وصف أحداث مشهد واحد من وجهة نظر شخصيتين عاصرا الحدث مع اختلاف طريقة التعرض للحدث بالطبع , لكن المطلوب أن القارئ حين ينتهي من قراءة المشهدين يجزم أن كل مشهد صحيح , و أن الآخر هو الخطأ , لكن حين يقرأ الآخر يجد الحال يتبدل و أن ما قرؤه لتوه هو الصحيح و الآخر هو الخاطئ .. هنا سيصبح القارئ في حيرة و لو استخدمت تلك الطريقة في رواية بوليسية أو ألغاز سيصبح الأمر مثيرا للقارئ حقا ..

بعيدا عن الاستخدامات المثلى لتلك الطريقة فقد نجح بهاء طاهر هنا في هذا الأمر , و استطاع أن يحنن قلب قارئه على كاثرين من الحادثة و يقتنع أنه لا يد لها و أن محمود هو المخطئ , ثم حين يقرأ مقطع محمود يجزم أن كاثرين هي المخطئة و أن محمود هو الصواب , بالطبع يستحق الإشادة هنا بكل تأكيد .. أعني الكاتب

-الميزة الثانية للرواية , و الأمر الذي جعلني أواصل القراءة رغم عدم استمتاعي بالعمل ككل خلاف الضمير الجديد هو فصل الأسكندر .

قلتها لصديقي الذي قرأ الرواية قبلي بعدما انتهيت : رواية بهاء طاهر = رواية واحة الغروب + فصل الأسكندر

الفصل هذا أعتبره رواية بمفرده

أسلوب الكاتب فيه تطور بصورة رهيبة ليصير رائعا , بل أسطوريا .. بكل تأكيد المجال نفسه غير مطروق و استخدمه بهاء هنا بصورة المحترف عن طريق ضمير الأنا الرائع , لكن أسلوب الكاتب هنا مختلفا عن أسلوبه و مستواه في الفصول الأخرى في الرواية .. لهذا أهنئه على هذا الفصل ..

-بعد كل هذه الإشادة نأتي للسبب الذي جعلني أنتقص ثلاثة نجوم من واحة الغروب ..

فشل الكاتب فشلا ذريعا في النهاية من وجهة رأيي ..

من المعروف للجميع أن الرواية تشتمل على مراحل , منها المقدمة , ثم تحضير للصراع ثم الصراع و المأزق – منتصف الرواية غالبا – ثم الانحدار التدريجي أو السريع نحو الهوة و أخيرا النهاية ..

ككاتب حين أخذت أتعلم الكتابة الروائية من الآخرين و من تجاربي الشخصية اكتشفت درسا شخصيا , درسا أعتبرته أحد ركائز الكتابة الرواية .. لا تنتقل من مشهد لمشهد آخر دون سبب مقنع ..

كمثال ..

في روايتي الحالية – رانمارو الجزء الثالث- وصلت لفصل تم اختطاف عدة أطفال فيه و سجنهم في سفينة قراصنة .. أردت في حبكتي أن أجعل القرصان هذا رقيق القلب معهم , هو يعاقب الكبار لكن لا يعاقب الصغار , و لسبب داخل شخصيته الخاصة و تاريخه قام هذا الشخص بالتحول لقرصان دموي .. لمبدأ لديه .. يهتز المبدأ لرؤيته الصغار و مطالبة بحارته بتعذيبهم ..

في حبكتي كان لابد من تحرك الصغار من السفينة هربا للوصول لنقطة معينة , و كنت أعتمد على أن القرصان سيثور و يرفض هذا الأمر – مطالبة بحارته – و سيهرب الصغار و يهرب معهم كي يحميهم ..

لكن حين وصلت إلى تلك النقطة وجدت أن الدافع ليس قويا للدرجة التي تعلل رحيل القبطان من سفينته و هجره لمن يعرفهم و تحوله من مؤيد للشر لمعارض له , أو أن الواقع يقول أن الدافع منطقي –تزلزل المبدأ الشخصي –لكن الوقت القصير للتفكير في هذا الأمر ليس منطقي , لهذا قررت تأجيل الرحيل عدة فصول أخرى أظهر فيها القرصان في تلك الفصول بمظهر الذي يفكر بعمق و يتأرجح بين هذا و هذه حتى أحضر قرائي لما سيحدث دون أن يخل بالعملية و بمنطقيتها ..

هنا كذلك ..

النهاية في واحة الغروب تتمثل في خروج محمود من منزله لتدمير المعابد و التي كانت رمزا للمشاكل كلها في الرواية , ثم موته هو شخصيا منتحرا ..

لكن ما سبب خروج محمود من منزله ؟

صديقي حين حادثته في هذا الأمر قال أنني لم أفهم ما يحدث بالرواية ,فالكاتب قد مهد طوال الرواية للنهاية , هذا أمر منطقي كما أجبته حينها و أوضحت له أن كل المشاكل التي قرأتها و الأحداث توصل بكل تأكيد للنهاية المتوقعة , لكن ..

في الطب تعلمت أنني دوما أسأل المريض : ماذا تشتكي ؟!

حينها سيخبرني المريض بقائمة طويلة عريضة من الأعراض و الشكاوي , فأسأله السؤال الأهم هنا :

ما الذي حركك من منزلك لتأتي للمستشفى ؟!

هذا هو العرض

هذا هو الدافع

كل المشاكل التي ساقها الكاتب طوال الرواية تعتبر أمورا اعتيادية في حياة البطل ..

لماذا خرج عن إطاره المعهود الذي يتأرجح بين الشر أو التأنيب ؟!

لابد من وجود حدث جلل لهذا ..

وهنا لم أجد هذا الحدث بكل أسف ..

الحدث كان بسيطا , مجرد خلاف في الرأي بين فيونا العليلة ” دورها الآخر بالرواية ” و بين زوجته , و قام الكاتب هنا بجعل فيونا تفقد الوعي و كاثرين تتأسف لكن محمود – الذي جعله يحب فيونا بعد ظهورها – يغضب , كيف تكون زوجته سببا في انهيار فيونا و ربما موتها ؟!

رائع .. سبب غير منطقي على الإطلاق ..

لكن لماذا وقع كاتب كبير مثل بهاء طاهر في هذا الخطأ الساذج ؟

ببساطة الضمير ..

حين نفكر بطريقة الكتاب في هذا الضمير الجديد , سنجد أنه يقسم الرواية لشرائح طولية .. كل شريحة تعتبر رؤية شخصية معينة بالرواية للأحداث .. أي هناك شريحة محمود و شريحة كاثرين و شريحة الشيخ يحيى و صابر .. المشكلة هنا أن الكاتب حين يصل للنهاية يجد أن روايته تحولت لشرائح يجب تجميعها لتصبح واحدة .. وهو أمر لم ينجح فيه لأنه أدرك هذه الحقيقة متأخرا .. فحين انتهى وقته وجد أن الرواية مجرد شرائح طولية لا يجمعها شيء مطلقا سوى حادثة مليكة هي حادثة عرضية , فأراد أن يرمم هذا الخطأ بتجميع الأحداث في هوة واحدة وهو تداخل كل المشاكل سويا حتى يصل بالأحداث للذروة فتصير النهاية .. ولهذا أحضر شخصية فيونا .. لكنه فشل ..

فشل لأن القارئ مهما بلغت درجة ثقافته ذكي ..

القارئ حين ينتهي من الرواية سيدرك داخله أنها مجرد .. شرائح .. ليست رواية بل مجرد مذكرات لشخصيات تم تجميعها لتصير رواية ..

نصيحتي هنا للكاتب الكبير أنه إن أراد تكرار التجربة مرة أخرى , أو أي شخص يرغب بتجربة هذا الضمير الرائع , يجب أن يضع في اعتباره أنه مضطرا لمواجهة التحدي الخاص بوصف أكثر من مشهد بوجهات نظر مختلفة كما حدث في مشكلة مليكة مثلا , يجب أن يدرك أنه لا يكتب بطريقة الأنا , لا يكتب مذكرات شخصية لأحداث , إنما يصف الأحداث بأبعاد متعددة , أي أن الرواية كانت يجب ان يتم التعامل معها من منظور مشكلة مليكة و ما حدث فيها .. حيث التداخل الأكبر للأحداث ..

لكن بالنظر للتجربة ذاتها , و أنها جديدة و جيدة , فلا بأس .. نحن نخطئ كي نتعلم ..

أخيرا رواية تستحق القراءة بكل تأكيد .. و أراها تستحق الدراسة و التدريس و التعلم منها ..

تحياتي لكم

معذرة للإطالة

الساحر ..

ديسمبر 29, 2008

هاري بوتر الجزء السابع .. تحليل أدبي بسيط قبل القراءة ..*سبويلر*..

كبداية يجب أن أعترف أنني لم أقرأ الكتاب , لأنني لا أحب قراءة الإنجليزية , لست قويا بها للدرجة التي تمتعني بالقراءة , ليست القراءة مجرد ترجمات للمعان , بل هي فهم عميق و تحليل و ربط و انسجام مع ما تم كتابته , الغوص في أعماق الإبداعات اللغوية , التي أفضلها عربية لتذوقي الشخصي عن الغربية ..
عودة مرة أخرى لموضوعنا , الكتاب السابع , أذكر أنني قلت لمن قص لي القصة كلها بالتفصيل الذي قد فهمه و استوعبه من خلال القراءة , قلت أنها نهاية باهتة بكافة المقاييس , و قد أحبطتتني رولنج ..
صديقي كان مندهشا , كان يرى النهاية قوية , لكن كانت لي أسباب ..
نهاية سلسلة تختلف اختلافا جذريا عن نهاية جزء , نهاية جزء من المتاح للكاتب أن يكتب و يقول ما يريده , لا حجر عليه , لا ضغوط ..
لكن هنا , الوضع مختلف تماما ..
نهاية السلسلة لابد لها من أن تكون قوية , قوية إلى الدرجة التي تتلائم مع السلسلة ذاتها , ليست قوية بالدرجة التي تتناسب مع مستوى الجزء فقط ..
كنت أقولها دوما لمن هو قريب مني , إن قامت رولنج بعمل نهاية بسيطة , نهاية سطحية , نهاية لا تعتمد على القوة و الحبكة و الدراما , نهاية بها غموض وإثارة , , فهي بذلك تكتب عقد نهاية عهد الإسطورة بصورة سخيفة ..
أنا بنفسي و أنا لست الكاتب تخيلت نهاية لم يتوقعها أحد , وأتذكر أنني حين كتبتها صعق كل من قرأها ,صعق إلى الدرجة التي كادوا يموتون كمدا لأنهم لم يفكروا بتلك الطريقة المعقدة ..
كان لدي طموح أدبي عال أن رولنج ستعرف هذا المأزق جيدا , مأزق هي وضعت نفسها فيه ..
لكن بكل أسف , لم تستطع ..
تحفظي -ككاتب – على ما قامت به , هو أنها قامت ببناء الحبكة الخاصة بالجزء , بنت كل شيء في آخر جزء بالسلسلة على أمور جديدة تماما أخبرتنا بها في هذا الجزء , كأنها تنهي جزءا و ليس سلسلة , كأنها بكل سهولة تتنازل عن حقها الشرعي في الستة أجزاء السابقة , لماذا سيدتي تقومين بهذا الدور المسرحي القصير و أمامك تحضير كبير و ضخم ؟!!
كسلسلة قوية , كي أستطيع أن أقف من على مقعدي , أصفق بكلتا يدي , أحني رأسي احتراما لمن كتبها , لابد أن أشعر أن السبعة كتب كيان واحد , كيان متماسك , لا يمكن فصله , يجب أن أشعر أن الحبكة الكبرى كانت مستمرة من خلف ظهري , و في نفس الوقت أمام عيناي , لكن عقلي القاصر لم ينتبه لها ,أو ربما عقلها الجبار التفت لها قبلي ..
يجب أن أشعر أن المعلومات الموجودة بالجزء السابع ما هي إلا خلاصة ما قرأت أنا قراءة بسيطة خلال الستة أجزاء ,لكن بكل أسف لم يحدث أي شيء من هذا ..
كنت قد استنكرت ما فعلته رولنج في الجزء السادس , فعلى الرغم من اعترافي أنه أصعب جزء يمكن أن يواجهه كاتب في تاريخه , و أنه أصعب كتاب كتبته رولنج , و قد نجحت كاتبة الواقعية في ما فعلته – وقد تندهشون لما وصفته بها لكنها كذلك عندي – لكن الأمر لم يكن هكذا في رأيي ..
في رأيي جاء الجزء السادس هكذا لأن رولنج اكتشفت أنها قد ضيقت الخناق على نفسها
بإصرارها المستميت على جعل هاري سبعة أجزاء فقط , اكتشفت أنه يتبقى أمامها جزئين , و حبكة السلسلة بأكملها لم تخط فيه حرفا واحدا ..
لقد أغرتها الرواية قبل الجزء السادس بعدم كتابة أي شيء خاص بالحبكة , لهذا جاء الجزء السادس تقريريا بصورة كبيرة , مما جعلها مهمة صعبة و شاقة على الطرفين , الكاتبة , و طرف القراء ..
بالنسبة للجزء السابع , كون رولنج تقوم ببناء إسطورة جديدة خاصة بالأحداث السابقة التي حدثت لدمبلدور , و كيف كانت حياته ,ثم أن تصل هذا كله بما كان يحدث , لا أحبذ تلك الفكرة تماما ..
لقد انشغلت رولنج – على ما أظن – بالتفكير في كيفية صياغة الحبكة و الأمور التي بعقلها , أكثر من اهتمامها بمحاولة الربط بين الأجزاء الستة السابقة , مما جعل الجزء السابع – في نظري – أضعف أجزاء السلسلة و أكثرها قوة من ناحية الاحباط ..
الأمر الذي يثيرني حقا هو مدى تشابه الأفكار ما بينها و بين القراء , يقولون دوما -درس تعلمته في بدايات كتاباتي- حينما تعتمد على أسلوب إخفاء الحبكة و إظهارها في النهاية كما كانت تفعله أجاثا كريستي , لابد و أن تعرف أمرا هاما , إن استطاع القارئ سبر أغوارك قبل أن تخبره أنت بالحبكة , فاعرف شيئا واحدا … لقد فشلت ..
للأسف جاءت الحبكات الرئيسية هنا واضحة للغاية ..
الندبة
موت دمبلدور
سنيب
نهاية السلسلة
مصير الجميع
تقريبا تقريبا كل شيء جاء باهتا ..
إذا رغبت بتقييم رولنج عالميا , فسأقارنها بأستاذي العظيم , تولكين , أقول أن تولكين استطاع بناء عالما متكاملا , استطاع أن يجعلني أشعر فعلا أن الثلاثية مع السليمارية مع الهوبيت و تاريخ الأرض الوسطى , نوتة موسيقية لمعزوفة واحدة تناثرت مقاطعها و تراكاتها بين البلدان و الأزمنة , و ما أنا إلا بجامع حلي قديمة , انتهيت من تجميع كافة قطع البازل , لينتهي تعبي بالاستماع إلى أغنية النهاية و البداية و أغنية كل الأوقات , العمل المتكامل ..
أقول هذا لأن رولنج شأنها شأن أي كاتب فانتازي معاصر , ترغب بتحطيم إسطورة هذا العظيم , تحطيمه أدبيا , و لا أعني التحطيم بمعنى التحطيم , أعني التطور على مستواه بالطبع …
لكن بكل أسف فشلت رولنج في هذا الاختبار و بجدارة , و أحبطتني معها و أحبطت معها أي قارئ عاقل يزن المعاني و الأمور جيدا و يفهم ما يجب ان يُقال أو أن يُكتب ..
فقط نقطة أخيرة ..
لاحظت أن البعض ينتقد طريقة النهاية ..
لا عيب في أي نهاية يختارها الكاتب , مادامت جاءت بصورة جميلة ..
عن نفسي لا أحبذ النهايات السوداوية , مثلي مثل أستاذي العظيم تولكين , رغم مأساويات رواياته و صعابها , إلا أن أبطاله بقوا على قيد الحياة , هذا لأن القارئ يتعلق ببطل معين , إن قتلته له , اُصيب هذا القارئ بالإحباط , , نحن لا نحب هذا ..
تحياتي ..

الفاعل لحمدى أبو جليل..كاتب يبلعط مثل قرموط لا تعرف كيف تمسكه!

الفاعل لحمدى أبو الجليل

كاتب يبلعط مثل قرموط لا تعرف كيف تمسكه!

أشرف عبد الشافى

اللعنة على حمدى أبو جليل وروايته ،أربعة ايام وأنا أحاول الكتابة عن (الفاعل) .. نعم (الفاعل) وهل هناك شخص أخر يمكن أن يكون عاملاً بالفاعل أنسب من كاتب يهبد العبارات والكلمات هبداً .. كاتب يبلعط مثل قرموط فى بحيرة رائقة .. يبلعط كى ينفض غبار سنوات .. أو قل يبلعط ليغسل جسده بماء دافىء وصابونة(لوكس معتبره) بعد أن تشمم رائحة نفسه مرات وتأفف فى خجل .. لقد جاءت اللحظة المناسبة للتخلص من آثار الأسمنت والجير والجبس .. من بقايا الرمل الذى يغز الظهر والرقبة غزاً ولا يستريح الجسد منه إلا مع جريان الماء و الصابون نحو البلاعة وبسرعة مذهلة.
والآن ..الجسد يبلعط ،والدماغ يحتاج سيجارة وكباية شاى .
هكذا تبدأ رواية حمدى أبو جليل .. ولدت بعد (حمومة) معتبرة فى حمام فاخر به بانيو أزرق وقاعدة تلمع ورائحة بخار مختلط مع رائحة صابونة فاخرة لا يقل ثمنها عن جنيه وربع ،استعد حمدى وقرر أن يشرب هذه السيجارة دون غيرها .. سيجارة حشيش معتبرة تستحق منه أن يبجلها طيلة الحياة .
توالت الحكايات والقصص .. وراح هو يبلعط هنا وهناك .. يعوم قليلاً على الشط .. ثم يكشف عن مهارات مدهشة ويفاجىء الجميع بشقلباظ ثم غُطس .. وكلما سمع تصفيق الجمهور تنوعت الحركات والقفزات.
وأنا أعرف حمدى عندما يصاب بهذه الحالة ،إنه يرمح رمحاً ناحية العائلة .. نعم العائلة .. وكم ذقت ـ أنا شخصياً ـ من شر حكايات وقصص هذه العائلة ،ولهذا وقفة طويلة تستحق مقالاً خاصاً لأن بها خفايا وأسرار قد يؤدى سردها إلى مضايقة صديق ثالث.
على أننى سأحكى ما يخصنى باعتبارى كنت الصديق الأول لحمدى أبوجليل فى القاهرة*أعرفه منذ عام 1993، لكن أزمة العائلة بدأت معى عندما عرضت عليه ـ عام 2000 على ما أعتقد ـ السكن فى نفس البيت الذى أسكنه ـ وكان عرضاً أسود ـ جاء حمدى ليصبح سيد البيت بعد أن كان غير ذلك فى بيت الحاج جمال ،والجميع يعرف تفاصيل تلك الفترة المهينة التى اعترف بتفاصيلها فى روايته لصوص متقاعدون.
المهم .. استقر حمدى محمياً بوجودى باعتبارى الأقدم وصاحب الفضل عليه ومنقذه من غياهب بيت الحاج جمال .. وكنت أيضاً صاحب الفضل على صاحب البيت الذى قبض 13 ألف جنيه .
ومع مرور الأيام بدأت تتسرب إلىّ قصص العائلة .. لا اخفيكم سراً كانت ممتعة فى البداية خاصة مع جلسات الأعشاب .. ولكن وعلى طريقة البلعطة أصبحت قصصاً مستفزة ،مواد خام لنبرات غير مسبوقة فى عنصريتها،تمجيد فى الأجداد والأعمام والأخوال والبيوت المتناثرة لعائلة ابوجليل على خريطة مصر .. أى قبيلة هذه يا رب العالمين .. وأى طريقة تلك فى العنجهية التى تجعلهم يتعاملون مع الجميع باعتبارهم فلاحين ؟! نعم أنا فلاح وأنت فلاح وكل مهندس أوطبيب أوحتى مأمور مركز.. نحن جميعاً فلاحين لا يجوز لنا التفكير فى مصاهرة البدو أو حتى الاقتراب منهم .. هم العمد ومشايخ القبائل، تهتزلهم الأرض .. وتخضع لجبروتهم.
هكذا .. يحكى حمدى ،يبدأ من حكايات جميلة ولطيفة ثم فجأة يبلعط وتخرج منه نعرات قبلية لم أنجح مرة واحدة فى تخفيف حدتها حتى جاءت تلك العبارة الطويلة والمهمة :
(..وبالمناسبة عمدهم غلابة ،على قد حالهم ويعتبرون غفر بالنسبة لعمد المسلسلات .. أحدهم بيته معرش بالبوص حتى اليوم..)
هنا بالتحديد وفى الصفحة رقم (32 ) من الرواية ،شعرت بشماتة غير مسبوقة .. ففى هذا الفصل (قصة العائلة ) اعترف حمدى اعترافاً خطيراً موبخاً العائلة وموجهاً غُطساً معتبراً لهم ..بلعط وفرّ من بين قدمى العائلة بخفة .. كنت أشعر بشماتة لا نظير لها وهويطعن فى العائلة طعناً مباشراً .
ويا فرحة ما تمت .. ويا شماتة ما اكتملت .. انظر إليه يلحق نفسه بسرعة ليحوش اللى وقع منه،ففى نفس الصفحة وقبل أن تُنهى عبارة (البوص) تراه يقفز ليكتب :(منهم ـ يقصد عمد البدو من أعمامه طبعا ـ ثلاثة كانوا من مشاهير العمد بين القبائل البدوية فى مصر وليبيا،العمدة عبد الحليم يفض منزاعات القبائل اللبيبة فى عز صدام المسلح بين السادات ومعمر القذافى العمدة على ابو يوسف شقيق د ابوبكر يوسف مترجم تشيكوف ومراجع ترجمات دوستيوفسكى والعمدة عبد الحميد عبد الرازق صاحب قصيدة الرثاء الطويلة فى الرئيس عبد الناصر ـ لاحظ التعريف :الرثاء وليس رثاء،وكأنها إحدى المعلقات السبع ـ)
قلت :مافيش فايدة .. حتى فى الكتابة سيظل حمدى يضرب الطاء فى الحائط وفى وجه القارىء والمستمع .. إنه يعشق حكاية ضرب الطاء هذه فى وجه أى جمهور .
أغلقت الرواية وقلت :لأ .. أكمل بكرة يا عم حمدى ،إلا انه باغتنى بغُطس أو قفزة أو قل: بلعطة مدوية ،جعلتنى أواصل القراءة،فبينما حديث العُمد وعبد الناصر وتشيكوف ممتد ،فجأة سقطت هذه العبارة بعد أن هبدها حمدى هبداً يليق بها 😦 والغالبية العظمى ـ من العائلة ـ فقراء يعيشون بالعافية ومنهم شباب يعملون الآن (بوابين وغفر) فى عمارات القاهرة الحديثة ..) .
مبلعط ما تعرف تمسكه .. خذلنى بأسرع ما يمكن .. كنت اضحك شامتاً حتى قرر أن يسكتنى تماماً .. جذب لجام الكتابة مرة واحدة فصهل خيل عفى : (غير أن استبعاد محمد على باشا للبدو من الخدمة فى جيشه له سبب أخر البدو قبله كانوا يحاربون مع الأمراء والمماليك وليس كجنود نظاميين ولكن كفرسان مهرة يحاربون من أجل أهداف ومصالح شخصية وكل مؤرخى الحملة الفرنسية وصفوا الفرسان المهرة …) كفاية كدا .. حرام .. ما هذه البلعطة يا ولد ؟.
أنظر الى أين يصل بنا الحال؟! من عشش البوص والبوابين والغفر إلى الحملة الفرنسية ومؤرخيها!!ألا تستحق الرواية أن تغلق هذه الليلة على الأقل ..أليست تلك جرعة كافية من الاستفزاز العائلى الذى يمارسه قرموط يبلعط .
(بوابين وغفر .. وحملة فرنسية وفرسان مهرة )!!.استغفر الله العظيم .
لا تجهد نفسك مع هذا القرموط ، وإن كنت لا تصدق إقرأ كيف سخر من جده ـ نعم سخر من جده ـ وهو يفسر سر لقب أبوجليل: (واسمه أبو جليل أطلق عليه وهو كبير .. وهو مشتق من الجلال بكسر الجيم وهو غطاء صوفى يشبه العباية وقيل إنه كان وهو صبى يرتعد من البرد ويصرخ “يا امى هاتيلى جلباب “، هذه السخرية التى تجعلك تموت من الضحك وأنت تتخيل أبوجليل المهيب الضخم ـ وفق روايات الفاعل ـ وهو مثل عقلة الأصبع عارياً يرتعد من البرد ويبكى لأمه .. ترتد إليك سريعا ،فالذى يرتعد أمامك الآن سيصبح بطلاً أسطورياً بعد سطور قليلة وتصل اسطوريته إلى المنتهى فى نهاية الفصل : ( وهناك أسطورة عائلية تقول انه ـ أبوجليل يعنى ـ بطل فيلم (فى بيتنا رجل ) ـ فهو مثله بالضبط هرب من البوليس السياسى فى أحداث تالثورة ـ ثورة 1919 ـ واختبأ ….)
كفاية ،أخذت القرار بحزم أوحسم وأغلقت الرواية .
شجرة عنب بناتى مثقلة بالعناقيد
فى اليوم التالى ،قلت لا يصح أن تمضى الرواية هكذا دون الكتابة عنها .. حمدى ليس صديقاً قديماً فقط ..بل هو كاتب موهوب ومعقول بالنسبة لى .. وأنا تقاعدت وتقاعست عن الاحتفاء اللائق بروايته المهمة (لصوص متقاعدون ) .. صحيح هو مستفز .. ولا يريد التوقف عن البلعطة .. ولكن علينا أن نحتمل سخافات الأصدقاء .. ونصفق للغُطس مهما كان مؤذياً لنا.*(2)
لم تفلح محاولات التهدئة المعنوية ،وقلت لا حل سوى سيجارة حشيش معتبرة مثل تلك التى نتعها حمدى فى أول الرواية .. أعتقد أن هذه فكرة جيدة .
ضربت سيجارة .. وخلعت ملابسى وقلت لابد من البلعطة فى تلك البحيرة .. لابد من قيادة البسكلتة بنفس طريقة الولد الذى شاهدته فى شارع 26 يوليو .. كان يحمل على رأسه قفصاً محملاً بالعيش ويقود بخفة ومقدره جعلته يترك (الجدون) ويجنح بذراعية مثل طائر بينما قفص العيش على رأسه يهتزهزات خفيفة تضبط الايقاع .
فطست من الضحك وأنا أشاهد (الفاعل) فى أحد البيوت محشوراً داخل قاعدة (كانت مترين فى مترين بعمق متر ونصف تحت بيت متهالك ) ،وينظر إلى البنت البايرة التى سعى أبويها لتوريطه فى الزواج منها:(البنت رسبت فى الإعدادى هذا العام .. جميلة ،ولكنه جمال فاضل ،كسول ،ملامحها متراخية تبدو كأنها مجهدة ..وأنا أعجبنى نتوء صدرها ولكنه كان أشبه بغريب تائه وسط صحراء ،البنت كعينين وجسد فى واد ونتوء صدرها فى واد ) .
أرأيت هذه الصورة؟ تخيل صدراً تائهاً فى صحراء يبحث عن أى شجرة يستظل بها :وجه .. وسط ملفوف ..سيقان متماسكة .. أى شىء ، الغريب بل والمضحك أن صاحبنا (الفاعل) اعتبرها ملهمته الأولى فى معارك الجنس التى يمارسها مع نفسه فى أوضة عين شمس .. كان يستحضر صدرها ويشيح بخياله عن باقى الجسد الأصفر المهدود .. فالمهمة لا تحتاج سوى هذا الصدر وليذهب الباقى إلى الجحيم .
وقصص الجنس بالنسبة للفاعل مثيرة للضحك فعلاً ،وبها كثير من البلعطة اللذيذة ، ـ لا تتسرع فى الحكم على كلمة جنس الآن ـ فصاحبنا استحضر هذه المرة صدراً تائهاً .. وفى مرة أخرى ستجده يستحضر (سمانتى) زوجة دانيال التى زارها الدكتور فى بيتها ليطمنئها على زوجها المسجون .. سيقان فقط دون وجه أو صدر :(جلست أمامه على الحصيرة وتزحزحت ناحيته تركت الثوب ينحسر عن سمانتيها ،لا أدرى إن كانت صدفة أو عن قصد أو أن الدكتور نفسه عنّ له أن يراها هكذا،لكنه وقع فى مقتل ،مصدر طالما أشعل خيالى وخيال جيلى بأكمله، كل واحدة من الزميلات كانت تشتهر بشىء ،وهى كانت تشتهر بسمانتيها ،ومنظر دعكها لهما بالساعات ـ السمانتين يعنى ـ على موردة الترعة يعتبر من المناظر البراقة فى الذاكرة …) وتصل السمانة إلى حد لم تصل إليه سمانة فى التاريخ الأنثوى ولا فى التاريخ السرى لممارسة الجنس بالصابون.*(3) ،لدرجةأن الفاعل يعتبرها الشرارة الأولى فى حياة شباب عزبته ،وفى حياته بالطبع ،بل إنه لا يخفى رغبته فى عض .. أو لمس تلك السمانة واستدراج صاحبتها من على الموردة حتى اليوم !!.
ومن الصدر التائه إلى السمانة المدعوكة، يبلعط الفاعل مع الحريم .. بلعطة مضحكة ولذيذة تصل إلى قمتها مع (حنان) ـ شجرة عنب بناتى أثقلتها العناقيد ـ ابنة عم أحمد الذى يعمل ساعياً فى بنك مصر حتى الثانية ظهراً ويزود دخله بنصبة شاى فى شارع منصور .
سمع الفاعل عن حنان من ابن عمها الدكتور وحفر لها صوراً بالذاكرة حتى عرف بيت عم أحمد وأضجع على الكنبة فى شقته بمساكن الزلزال ،ومثل أى فاعل سعى لفتح حوار مع حنان ،حوار يرضى رغبات أوضة عين شمس الليلية، وضحى بالدكتور وبمشاعر الدكتور طمعاً فى أى مشهد أو لمسة أو ضحكة سيحتاجها كسماد للخيال،بلعط هنا وهناك وشعر بحرج كلما داهمه الدكتور زائراً بيت عمه .. ومع ذلك لم يفقد الأمل فى الفوز بمشهد خصب ، حتى هبد عبارة (أووصفاً أو كلمات.. أو ماركة مسجلة جديدة باسمه ستضعنى فى مأزق لو سرقتها ـ عبارة لو سمعتها حنان ساعتها وفهمتها لسقطت فى غرامه وأصبحت حقيقة بين يديه ولا أعرف من أين أتى بها هذا الفاعل ؟،كيف واتته وشمّرت عن ساقيها له دونى ..سكوت:
(اليوم عم أحمد إجازة من البنك ومن نصبة الشاى ،وطبعا حنان موجودة ،ابنته الساحرة ،كنت هااموت عليها ،كانت أشبه بشجرة مثمرة ،شجرة عنب بناتى أثقلتها العناقيد …) وظل الفاعل (هيموت عليها ) دون أن يخبرها أنها شجرة عنب مثقلة بالعناقيد !! أهبل .. كما وصف نفسه فى نهاية الفصل .. وغبى كما يحلو لى أن اأصفه الآن. يعشق الشفوى ويبلعط فى الخيال وينسى العوم أمام الفتيات .. فاعل .. أو بدوى .. يحب بنات معهد أم حسن *5 كلهن دون أن يخبر إحداهن!، فاعل صغير،أو بدوى صغير فى مدرسة ابتدأئى يهاجم بنات العزبة ويضربهن بالطوب أو يكتب على الحوائط شتائم مفزعة تعبيراً عن أعجابه بإحداهن .. حتى بعد أن يعيش بشبرا ويلبس الحتة الزفرة بعد ساعات المرمطة فى الفاعل ويذهب إلى حديقة الفسطاط مع زملاء المهنة وبنات صغيرات ،يظل فاعلاً يجيدالبلعطة فى رفع شكاير الرمل بمهارة فائقة ،ولا يجيد تصويب كرة من البلاستيك إلى صدر البنت الصغير ليعبر لها عن رغبته فى التهامه !!حتى هذه يفشل فيها .. سيقان وصدر تائهه .. وشجرة عنب .. تكفى الفاعل هذه العبارة .. شجرة عنب بناتى مثقلة بالعناقيد .. تكفى للبلعطة فى بحيرة رائقة .
لاداعى للكتابة عن هذه الرواية واعتذار فى ميريت يكفى
ثلاث ليال مرت .. والبلعطة الملعونة تجعل الرواية تفلت منى ، هل لابد وأن أكون صياداً ماهراً كى أمسكها ؟! هل لابد من بذل جهد ؟!اعتقد أن الأمر لا يستحق كل هذه المعاناة ، ثم إن الكاتب نفسه لم يكتب روايته بعد واعترف فى الفصل الأخير بأنه كان يلعب فقط أو يبلعط .. أليس من الأفضل أن أكتفى باللعب الذى شاركته فيه منذ حكاية معهد النقد الفنى،لقد لعبت واستمتعت ولا داعى للانكار .
والدة الفاعل .. كان من الممكن أن اختصر الكتابة عن الرواية فى تلك السيدة ..واتخلص من عقدة الذنب التى يعانى منها الفاعل ، سيدة لطيفة جداً ومفاجئة ومباغتة جدا دون أن تدرى ، الفاعل كان يهبد كلماتها هبداً فهى صاحبة التعبير الأثير واصفة أحد أعمام الفاعل ( مثل قرموط ما تعرفش تمسكه ) وصاحبة الصرخة المدوية فى الفيوم (حنش يا بوحامد ) (فى الجحر هضا ) وكانت الكهرباء قد لامست يدها وكان الجحر هوموضع الفيشة!!.
ليتنى كتبت عنها أو عن عن الدكتور أوالممثلة أو عم احمد أو عن سحر ، أو عن اى شىء يخلصنى من احراج أول مقابلة بعد إهداء الرواية ،ولكن لا بأس اعتذار عند هاشم ـ ناشرنا العظيم ـ فى دار ميريت يكفى .
هوامش
*(1) هذا الموضوع قد لايهم أحداً ، لكنه مهم بالنسبة لى فقد أصبح حمدى مشهوراً فى وسط القاهرة وتمت ترجمة روايته إلى الفرنسية ونتعّ عنها 30 ألف جنيه كما قال بعضمة لسانه وهذا رقم يغرى بادعاء صداقة غير مسبوقة
*(2)
اللعب والبلعطة تؤذينى انا شخصياً
*(3)
الصابون أو غيره من اجتهادات المراهقين والمحرومين وقاطنى أوضة عين شمس
*(4)

أجمل ما فى معهدأم حسن رغبة الفاعل فى إعادة ترميمة أوتنكيسه ..فاعل يحب البنات بالأسمنت والرمل. . ويتعامل مع معهد الدراسة باعتباره سبوبة يمكن إنجازها ليتسفيد الطرفين .

الصفحة التالية «

المدونة لدى وردبرس.كوم.