رابطة العصبة الحداثية الأدبية

يناير 7, 2009

السىء فى الأمر …لمدوح رزق..قراءة مجازية

السىء فى الأمر ….أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد

قراءة مجازية

هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر و القاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدى عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه…..مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أى من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة..مما يضع القارىء فى حيرة.

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة و التحيز، إنه يدين نفسه و يدين الأب و يدين الحياة ..مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية فى أن يصفها أنها ليست بالجميلة.

يقدم المجموعة بجملة إفتتحاية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحا ً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى “السماء” كل هؤلاء العميان)

و النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة و القصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، فى جملة مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، و تعطى للقارىء مساحة للتأمل و الإستبطان باستخراج مدلولات عدة.

هى لا تعطى إجابات على أسئلة و إنما تعطى أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة.

ليست الكلمات التى تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة و دلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقارىء حرية لتأويلها و بناءها من جديد، و يأتى ذلك عند نقطة النهاية التى دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات – كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية – لتؤسسه على ما إنتهيت إليه.

و الزمن له حضور قوى، حيث يكون فى معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى و الحاضر و المستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة فى تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، و من الزمنى و الغيبى تصوغ النصوص أحجية إعتراضية تبغى الحلول.

مرورنا اللحظى فى الحياة ما هو إلا بناءاً هشاً لبيوت رملية تأتى عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، … و ما الشواطىء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطىء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا ..نص( الذكرى السنوية)

شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هى إلا قناع كاذب لجذب الإهتمام و إقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط إهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، و لكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة..نص(الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق)

الشخصيات مشتتة ضائعة فى عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ، تتأمل فى سر الوجود و ماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية و الشك و الريبة و محاولة الإيمان بشىء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.
شخصيات تسير وحيدة بالليل فى الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها و تبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً و لو ضئيلاً أو ملولاً على إبتساماتها، لكنها فى النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل و تنتظر المصير فى سكون و ترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب و حسب..نص( تكره الإنتظار بجوار النافذة)

متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحا مثل حجر ألقى على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، و لكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلى، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهترىء الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر.

كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القارىء إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، و عند نهاية النص يكتشف القارىء موهبته فى ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب و إعادة الترتيب مرة و مرات، كأنما هو عالم مفكك و متشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القارىء، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارىء فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل فى جلسة ود حميمة.

الإنتظار محملاً بالدموع الساكنة فى تربص السقوط على عتبة الخد…تيمة أساسية
الإنتظار كحل مؤقت للحاضر و متأمِّل للماضى و متربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الإنتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر و حسب…ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر و ذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك و كينونتك فى واقع يمل المنتظرين و يخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً..أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر و إنما يتفاعل غير محتاج لشىء….أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر و لكن لتزاحم هذا الشىء الآخر و تجد لها مكاناً تركن إليه
فعلُ يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، إعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء….نص(حيث أنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة)

بين الألم و الخوف و الحزن و الإنتظار و الموت يتشكل السىء فى الأمر…إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم- إنها حالة من الوعى بالذات التى أصبحت وفقا لقوانين بسكال لاشىء، ضرباً من الوعى المرعب

تشكل مجموعة النصوص ( السىء فى الأمر) علامة إستفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شىء على ما يرام؟

إسلام يوسف
_______________________________________________________

الكتاب:السىء فى الأمر

المؤلف:ممدوح رزق

الناشر: دار أكتب للنشر و التوزيع2008

يوتوبيا: حينما يلامس الخيال الحقيقة

سحر الكلمة

أما قبلُ، فإن يوتوبيا هي صرخة تحذيرية مجلجلة في الوقت الذي نمدّ فيه الإسرائيليين بالغاز وتستند الصناعة المصرية إلى مكوّناتٍ إسرائيلية لازمة لترويجها في السوق الأجنبية.
في رواية يوتوبيا الصادرة مؤخرا عن دار ميريت بالقاهرة للأديب أحمد خالد توفيق، نفاجأ بخيال رجيم كلنا نحذر منه بعد أن عاينا إرهاصاته الأوّلية في واقعنا المصريّ عقب الانفتاح الاقتصاديّ الذي بدأه السادات. وعقب التعاون الاقتصاديّ بين ثلة من رجال الأعمال المصريين مع أمريكا وإسرائيل مجسّدين الوجه الآخر
-الأقبح- للرأسمالية ألا وهو الاحتكار.
ففي يوتوبيا بقدر ما يغرّنا اسم الرواية، بقدر ما نفزع كلما توغلنا أكثر وأكثر في صفحاتها المؤلمة الصادمة. ففي الساحل الشماليّ انعزل ذوو الحكم والمال والنفوذ عن عامّة الشعب محوّطين أنفسهم بسور باطنه فيه (الرحمة) وظاهره من قبله العذاب والجوع والفقر، حيث المشرّدون وحيث استوى ههنا الفقير مع ميسور الحال على أرضية واحدة تدعى أرض الأغيار.
يوتوبيا أفضل من ألف صرخة وألف مؤتمر وألف مقالة. ذلك أنّ الأدب عندما يلامس الروح يُشجيها.
تدور أحداث الرواية في فلك عام 2020 أو ما يليه بقليل. (هذا الجرح أجراه لي طبيب إسرائيلي متخصص في هذا الفن..يقول درسه في نيويورك..كان اسمه إيلي، وكان شابا ظريفا..قال لي إنّ أباه أصيب بجرح ممائل في حرب عام 1973 مع المصريين، وسألني إن كنت أذكر شيئا عن الموضوع..قلت له إنّ لي عما توفيَ في هذه الحرب، لكني لا أعرف التفاصيل..هذه أمور مرّ عليها خمسون عامًا…) هكذا!..صار الإسرائيلي يقطن بمصر دون مكدّرات ولا منغّصات برفقة مصريين (غرباء) وهذا ما يتمناه الإسرائيليون بلا شك، وما لا يجد الخونة المنسوبون إلى أرض مصر الزكية الطاهرة ظلما وبهتانا غضاضة فيه، وفي إجرائه تحت اسم التطبيع والسلام.
أقترح تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، أتمنى نجاحه وخروجه بالمستوى المطلوب.
(من أنا؟..دعنا من الأسماء..ما قيمة الأسماء عندما لا تختلف عن أي أحد آخر؟) هكذا يقول راسم الغرّ من يوتوبيا، يبغي اللهو ولا يجده مثيرا وممتعا وهو مازال في السادسة عشرة من عمره بعدُ إلا بالصيد (حيث يتوارى الموت خلف الأسلاك الشائكة، فلا يصير إلا لعبة يحلم بها المراهقون) هكذا يمكنك أيها اليوتوباوي صيد من تشاء من (الصراصير) التي بالخارج مسريًّا عن نفسك مفرّجا عن همك وغمك لأن من بالخارج لم يعودوا بشرًا منذ وقت طويل.
في يوتوبيا حيث الآيات المقلوبة: (القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدّرات. لا أفعل بها شيئا سوى الغياب عن الوعي. في الماضي –تصوّر هذا- كانوا يقرؤون من أجل اكتساب الوعي).
(لا جديد تحت الشمس ولا يوجد شيء واحد يمكن تعلمه بعد هذا..هناك خلل اجتماعيّ أدى إلى ما نحن فيه، لكنه خلل يجب أن يستمرّ..كل من يحاول الإصلاح يجازف بأن نفقدّ كل شيء) الصواب المطلق آفة المتطرفين أينما كانوا وحيثما وجدوا، والصواب المطلق عن حق هو الديمقراطية وتقبل الآخر.
كيف يعيش الشاب في يوتوبيا؟. يقول راسم: (أصحو من النوم..أفرغ مثانتي..أدخن..أشرب القهوة..أحلق ذقني..أعالج الجرح في جبهتي ليبدو مريعًا..أضاجع الخادمة الأفريقية..أتناول الإفطار..أصبّ اللبن على البيض وأمزق كل هذا بالشوكة..ألقي بالخليط المقزز في القمامة..أتثاءب..أضحك..أبصق..ألتهم اللحم المحمّر..أدسّ أصبعي في حلقي..أدخل غرفة نوم لارين لأفرغ ما بمعدتي على البساط..أضحك..أدسّ أصبعي في أذني..آخذ زجاجة ويسكي من البار وأجرع منها..أرقص..أترنح..أقف فوق أريكة..أتقلب على البساط..أقرأ الجريدة التي لا تزيد عن اجتماعيات يوتوبيا..) هكذا يروي لنا راسم كيف يقضي يومه شاعرا بالملل بعدما فعل كل ما يمكن فعله في يوتوبيا. وهنا تثور في ذهنه من جديد فكرة صيد أحد الأغيار من خارج الأسوار والرجوع بتذكار هو قطعة لا بأس بحجمها من جسده!.
وهكذا يستدرج راسم وفتاته جرمينال ذكرًا وأنثى يقاربانهما في الحجم، يضربانهما، ثم يلبسان ثيابهما . ومن ثمّ يركبان حافلة العمال العائدة إلى أرض الأغيار متخفيان.
إنّ الصراع الرئيسيّ في الرواية قد تمثل بين اثنين مثقفين الأول هو راسم الصياد من مجتمع يوتوبيا الراقي، والثاني هو جابر الفريسة من عالم الأغيار.
الاثنان قد قرآ كثيرًا حتى ملا. القراءة بالنسبة لهما هي نوع رخيص من المخدّرات. لا يفعلان شيئا بها سوى الغياب عن الوعي. هذه وجهة نظرهما الملفتة للانتباه كما نرى. فكثير من الصغار الانطوائيين يقرؤون من أجل خلق عالم مواز لعالمهم الممل المقيت.
أعجبتني تقنية أدوات أحمد خالد توفيق السردية. فهو قد عبّر جيدًا عن طفل مراهق مدلل ثريّ فاسد. لاحظ تعبير (يا بنت يا ماهي!) الذي نقله أحمد خالد توفيق على لسان راسم كمثال على دقة وروعة لغة وأسلوب الرجل عند تقمصه لشخصية ما. كذلك عند نقله لحوار راسم مع لارين (ص 28).
(حكيتُ لها عن كثير عزة فقالت لي: اتنيل. فتنيّلت..) على لسان جابر. والذي هو إنسان عشوائيّ في عالم الأغيار بشبرا، طالما تذكر النساء اللائي عرفهنّ. ذلك أنه يبحث عن العاطفة المتأججة السامية لا الجنس والمتعة اللا إنسانية بعكس راسم. (حلم ما بعد الجنس) هذا هو ما كان يشغل بال جابر كثيرا، كان يحلم بالجنة النفسية، جنته هي عالم مثالي يتنفس فيه أريج الحب، ليوتوبيا حقيقية كان يرنو الغرض منها هو تحقيق سعادة البشر بصورة عادلة.
(الأرقام لا تكذب). هكذا كان جابر يحذر كل من يعرفه. (حُجاج) يهربون من الفندق ببلاد الحجاز!. ازدياد معدلات الجرائم في مصر عن ذي قبل: قتل. اغتصاب. تمييز جنسيّ عنصريّ تجاه الإناث. وأودّ أن ألفتَ النظر والانتباه إلى أنّ دعوات حضّ المرأة على عدم استكمال تعليمها ولزوم البيت، وتغطية سائر جسدها بلباس فضفاض بدعوى أنها كلها عورة، واختزال دور المرأة المجتمعيّ في الإنجاب وأعمال البيت فقط؛ كل تلكم الدعوات فيها خطر كبير على تقدم مصرنا الحبيبة. فالبلد الذي لا يتقدم، يتأخر. والإناث نصف المجتمع إن أغلقنا عليهنّ أبواب البيت بالأقفال والمتاريس عُدِمن الثقافة والفن والوعي اللوازم لتقدم أية أمة ترنو إلى الكمال والمثالية.
(أحيانا أشعر أنّ المصريين شعب يستحق ما يحدث له. شعب خنوع فاقد الهمة ينحني لأول سوْط يفرقع في الهواء) قالها جابر وهو الرأي الذي لا يبطل إبراهيم عيسى يردده دومًا ويخالفه فيه الكثيرون. شخصيًا أرجو من الفريقيْن وضع أطر فعّالة لتوعية الشعب المصريّ سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا بدلا عن إطلاق الأحكام المخيّبة أو الزائفة الخرقاء. وخير الأمور الوسط، وإن كنا لا ننكر وجود أزمة وعي سياسيّ واجتماعيّ ودينيّ في مصرنا الحبيبة نرجوا أنْ يتنبّه لها الشعب المصري سريعًا بيد أنّ مصيرنا واحد..وكذلك مستقبنا.
لا يخلو أسلوب أحمد خالد السرديّ دومًا من الدعابات: (أفضل الغشاشين طرًا هو من يغش المخدّرات..هذا رجل قديس يعمل لمصلحة الناس في رأيي..إنه مصلح اجتماعيّ ينعم بالمال) كما يعتقد ويقول ويفعل جابر.
قوم يوتوبيا هؤلاء مجانين بلا شك، أنصِتْ إلى نصّ مقاطع من أغانيهم التي أوردها المؤلف توقن بذلك:
(والآن يا صغيرتي انظري لي واتلي صلاتكِ الأخيرة..
إنّ عناقي المشبوب سوف يهشم ضلوعكِ..سوف أعتصر روحكِ ذاتها..
عندما تصعد إلى السماء مهشمة تستند على عكازيْن..
سوف تسألها الملائكة عمّا حلّ بها..
ستقول: لقد نمت مع الشيطان ذاته..
الشيطان الذي أثملته صرخات العذارى قبل الذبح..).
ساديّون. دمويّون. ملعونون في كل سماء:
(تنسحق الشمس إذ تطؤها أقدام الكوكب الأحمر..
تصرخ الملائكة خوفا..
أنتَ فريستي..أنتَ لي..
فقط عندما تصير جزءًا من خلاياي بعد الافتراس..
عندها تعرف معنى الأبدية..).
وفي الصدى البعيد يتردد قول عبد الرحمن الأبنوديّ في الرواية:
(إحنا شعبين..شعبين..شعبين).
الفجوة الكبرى الحادثة بين عالم الأغيار (الفقراء)، ومجتمع الأغنياء (يوتوبيا)، يشير الكاتب إلى أنها موجودة بالفعل هذه الأيام: (الصورة التي تريانها كانت موجودة منذ البداية ولكنْ بشكل غير واضح، ثم تضخمت شيئا فشيئا…يصير الأغنياء أغنى والفقراء أفقر، ثم تأتي لحظة يحدث فيها الانهيار) كما يقول جابر لراسم وجرمينال. وهذا بالفعل حاصل هذه الأيام بعد زيادة الأسعار بنسبة 100% وستزيد أكثر وأكثر، حتى يأتي الوقت الذي لن يشتري فيه الفقير ذهبًا، ولا بيتا، ولا طعامًا صالحًا، ولا كتبًا، ولا أملا، ولا حُلمًا، ولا..حياة!!.
في فهمي الشخصيّ للرواية فإنه بعد موتِ جابر وثورة الأغيار لموته، بقي راسم، وبقيت يوتوبيا -ولو لأجل بسيط- ذلك أنّ الكاتب أورد فِقراتٍ تتضمن أحداثا جرتْ لراسم برفقة جابر قبل أن يلتقيا.
هناك غلطات لغوية بسيطة ولكنها كثيرة في الطبعة الأولى أرجو أن يتغمّدها مصحح دار النشر برحمته في الطبعات التالية.
اغتصب جابر جرمينال فتاة يوتوبيا: (هذا هو النصر الوحيد الذي أستطيع تحقيقه..قهر هذه الفتاة ليس قهر أنثى بل هو قهر طبقة بأكملها. قهر ظروف…) هكذا يبرر جابر فعلته وإنْ لم يُكملها. وكذلك يبرر كل مغتصبٍ ومتحرّش سوأته هذه الأيام. وبدلا عن انشغالنا بدحض حجتهم علينا بتوفير الجنس للشباب، إما بتقليل كلفة الزواج عن طريق إلغاء الشبكة والمسكن المستقل للزوج أو الاكتفاء بغرفة فسيحة. أو عن طريق فتح باب الحرية الجنسية مع توخي الحذر من وقوع الحمل.
قال راسم وهو يغتصب صفية أخت جابر: (عندما هبّ الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض، هززتم أنتم رؤوسكم وتذرعتم بالإيمان والرّضا بما قسم لكم..هه هه..تدينكم زائف تبررون به ضعفكم..هه هه…) وهذا المقطع هو أهم مقطع في الرواية من وجهة نظري، فنظرة واحدة إلى موقف السلفيين الأصوليين في مصر من إضراب 6 أبريل تبرهن على اختياري. ذلك أنّ لفيفًا كبيرًا من دعاة الإسلام العرب يحثون الناس على الزهد، وعلى التقلل من متاع الحياة الدنيا من أجل آخرةٍ أبْقى. لذلك أغلب الملتزمين دينيًا فقراء، لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ولأنّ الانكفاء على الذات هو أسهل هروب، ولو أتيحت حياة أفضل ذات مستوًى ماديّ أعلى لهؤلاء لانتكس نصفهم عن الالتزام الدينيّ المفتعل.
النهاية مفتوحة. وهي مناسبة لرواية خيالية استشرافية لواقعنا كيوتوبيا.

أما بعدُ، فأنا لست من عشاق أحمد خالد توفيق وإنْ كنت من محبيه ومعجبيه، ومن المتابعين لأحدث ما يكتب وعلى الأخصّ مقالاته الأسبوعية بجريدة الدستور، ولكنني أمام عمل إبداعي فنيّ عالي المستوى وعلى درجةٍ كبيرة من الرقي والاحتراف. لذا، فلا مفرّ من الأخذ بتحذير دكتور أحمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا من الذي يجري بمصر الآن خاصة مع تفاقم التطبيع مع إسرائيل، والفجوة الكبرى بين الطبقتيْن العليا والسفلى، وارتفاع معدّل التطرّف الثقافيّ والإجراميّ. فالعمل عمل رائع يستحق منا القراءة والتصفيق والتحية.

أحمد منتصر
في
جمادى الأولى 1429

يناير 3, 2009

صخور دموية ..قصة قصيرة .. رعب !!

قصة قصيرة

صخور دموية ..

** تقديم :
احم ..
حقيقة لا أعرف ماذا أقول
لا أحب مشاهدة أفلام الرعب مطلقا
ولم أقرأ أي من قصص الرعب من قبل
لكن شائت الظروف أن أكتب قصة رعب ..
حسنا .
باختصار .. بانتظار نقدكم 🙂
الساحر ..
** النص :
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة قصيرة
صخور دموية ..
اندفعت أفواج الطلاب من بوابة هذه المدرسة للطلاب الثانوية في فرحة بعد انتهاء اليوم الدراسي الطويل , الحقيقة لم يكن كذلك على خمسة من الأصدقاء , ثلاثة شباب و فتاتين , إحداهما صديقة الأخرى . الأولى سماح ابنة عم مازن , و الذي له ابن خالة يُدعى هيثم , الأخير يكون ابن خال فاتن صديقة سماح و التي يكون لها باسم ابن عمتها .. قرابة متشابكة لتلك الرفقة الجميلة من الأصدقاء , الجميع في سن واحد , يدرسون القسم العلمي في هذه المرحلة الحرجة من الثانوية العامة حيث مواد كئيبة تطغى على صدور الجميع جاثمة كصخر قاس تؤرق لياليهم و تبعد الافرح عن أذهانهم , لهذا جاء باسم بفكرة أصر عليها اصرارا هذا اليوم ..
-هيا نذهب إلى الهرم ..
الحقيقة أن الأربعة الباقيين كانوا يريدون شيئا يغير من ملل يومهم الرتيب , و كذك وجود اليوم كإجازة من الدروس الخصوصية المملة أحيانا و المفيدة كثيرا كواقع جعلهم يفكرون في الأمر بجدية لولا ما تابعه باسم ..
-ليلا !
ليلا ؟! , دار التساؤل في خلد الأربعة , لم تقصر سماح في طرحه قائلة :
-لماذا ليلا باسم ؟ ألا تعرف أننا فتيات ؟!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه باسم و هو يقول :
-أعرف , لكن أعرف أنكم جميعا و خاصة أنتِ يا سماح ممن يعشقون الإثارة , و الهرم أفضل مكان لنقضي فيه الليلة , كذلك لن نكون هناك طيلة الليل , فقط سنذهب في المغرب و نعود بعد العاشرة , مجرد أربعة ساعات بين السادسة و العاشرة الليلة لن تكون بالشيء المخيف , كأنه درس أو زيارة لفاتن أو ربع الوقت الذي نجلسه نمرح سويا ..
كان التردد واضحا على وجوه الجميع , الأمر الذي يقلقهم هو أنهم لم يقوموا برحلة كتلك من قبل , بل لم يسمعوا عن أحد قام بها , لكن باسم تابع بحماسة :
-سمعت عن رحلات سفاري تذهب للصحراء , ألم نتمنى أن نخرج في إحداها ؟!
نظروا له بلهفة فتابع :
-دعونا نتخيل أننا فعلا ذاهبين إلى رحلة سافاري , هيا , لا تكونوا سخفاء !
ساد صمت قصير كسره هيثم بقوله :
-وماذا سنخبر أهلنا ؟!
نظر له باسم و قال في مكر :
-كعادتنا حين نرغب في الخروج سويا .. كان هناك درسين بدل الأستاذان معاديهما , هنا سيكون لدينا أكثر من ست ساعات تغطية على رحيلنا لأننا سنجعل الميعادين متفرقين بساعتين على الأقل , و الأمر الأكثر جمالا أننا سنأخذ مبلغ الحصتين و نجمعهما سويا و نشتري ما يلزمنا لتلك الرحلة !
ارتسمت ابتسامة خبيثة على فاتن و هي تقول :
-كم أحبك و أنت خبيث أيها الشقي !
ضحك باسم وقال :
-هذا يعني أنكِ موافقة ..
ثم استدار ببصره نحو البقية و تابع :
-وماذا عنكم ؟!
هز كل واحد منهم رأسه موافقا , الفكرة تستحق المغامرة , الساعة الآن الثانية و الربع ظهرا , تتبقى على الرحلة أربع ساعات إلا ربع تقريبا , غادر الجميع بعدما اتفقوا على المكان الذي سيتقابلون فيه .. عند سفح الهرم الأكبر في بداية الطريق المرصوف العالي هناك , و هو المكان الذي تقف فيه عربات النقل كلها عدا السياحية منها , مر الوقت بسرعة و في تمام الساعة السادسة إلإ عشر دقائق كان هيثم أول الواصلين إلى المكان ..
-يا لهم من كسالي ..
قالها رافعا يمناه كي يحدق نحو ساعته التي تومض بألوان براقة حين يشع الظلام من خلف ستائر الشمس الغاربة , ما إن شاهد العقرب الكبير يصل إلى الثانية عشر حتى شعر بمن يهتف عليه , التفت خلفه فوجد فاتن و سماح سويا , بعد لحظات من الترحيب أتى مازن و أخيرا أتى باسم ..
-متأخرا كعادتك !
قالتها سماح بتأفف , فقال باسم في سرعة :
-معذرة , أنا أبعدكم جميعا عن المكان !
ابتسم مازن و قال :
-يا للعذر الجميل , لما لم تخرج باكرا يا فتى ؟!
قال باسم وهو يتحرك صوب الأمام :
-لا داعي للحديث عما فات , أنا هنا و نحن جميعا هنا , هل أحضرتم كل شيء ؟!
هزوا رؤوسهم , ثم جلسوا كل منهم واضعا حقيبة ظهر كبيرة على الأرض و أخرجوا عدة أشياء منها , لم تمض لحظات حتى انتهى كل منهم من وضع الواقي على ركبتيه و مرفقيه كي يحميهم من الصدمات و لم ينسَ أي منهم خوذته اللامعة , وقف كل واحد ممسكا بلوح تزلجه بيمناه و نظروا نحو الطريق المرتفع و المنحدر الشديد أمامهم بسخرية .. قال باسم :
-هيا , لنمرح قليلا ..
لم يشق هذه الليلة سوى صرخات الخمسة وهم يهبطون من أعلى الطريق في سرعة جنونية , لم يكتفِ مازن بالإندفاع فقط بل قام باللولبة يمينا و يسارا , أما سماح و فاتن فقد مارستا هوايتهما المفضلة .. محاولة إيقاع باسم عن لوحه !
-يا لها من بداية ..
هكذا تمتمت فاتن حين جلسوا يستريحون بسعادة فائقة , الحقيقة أن حقيبة كل منهم كانت محملة و منتفخة من جراء لوح التزلج و الخوذة و بقية المستلزمات , أما ما تبقى في الحقائب القريبة من كونها فارغة مجرد ساندوتشات خاصة بكل فرد منهم مع زجاجات مياه معدنية , كانوا الآن يتجهون نحو سفح الهرم الأكبر حين قال هيثم :
-سمعت أنه حين نضع شفرة موس حلاقة في سفح الهرم فإنه يعود حادا كأنه جديد !
ابتسمت سماح في حين قال باسم :
-صدقني يا عزيزي لو جلست هناك طيلة اليوم فالشيء الوحيد الذي سيكون حادا هو طباعك التي ستكون أسوأ من طباعك الآن !
اندفع الاثنان يركضان بين صراخ ووعيد هيثم و ضحكات باسم و من الخلف ابتسامات الثلاثة , فقد اعتادوا على مثل تلك الأمور فيما بينهم , لا أحد يسلم من نقد الآخرين اللاذع و بالتالي فلا أحد يسلم من عقاب بعضهم لبعض !
-هيا , سنمكث هنا الليلة !
تحدثت فاتن حين وصلوا إلى سفح الهرم لكن الجميع كان منشغلا بمتابعة صراع باسم و هيثم الضاحك , فنظرت لهم باسمة و اتجهت صوب حافة احد الأحجار لتتحسه بفخر و ..
-ألن تكف عن ألاعيبك أيها الشقي ؟!
-لا , ألم تلاحظ أن طباعك زادت حدة كثيرا بمجرد مكوثنا هنا لدقائق  , فما بالك بساعات ؟!
تعالت ضحكات سماح و مازن حين قال الأخير :
-يبدو أن ابن خالك سيقتل ابن عمتك الليلة يا فاتن !
ضكت سماح بدورها و هي تقول :
-لا تقلقي يا فاتن , لن نقف متفرجين هكذا , سنبحث لهم عن سكين و مسدس حالا !
ضحكا بصورة سعيدة و استدار مازن ليقول :
-لم تخب…
بتر عبارته حين لم يجد خلفه فاتن كما كان يظن , أخذ ينظر يمينا و يسارا دون جدوى , و الظلام الذي بدأ يلقي بظلاله الكثيفة على المكان يحجب رؤيته , فصرخ مناديا :
-فاااااااااااتن !
حينها و حينها فقط توقف الصراع الهزلي ليحدق كل فرد منهم بمازن حتى سماح ثم في الخلف حيث من المفترض أن تكون فاتن هناك , نادت سماح بنبرة قلقة :
-فااااااااتن! هيا , أين أنتِ ؟!
لكن لم يجبها أحد , فركض باسم و هيثم في سرعة حتى توقفا بجوار سماح في حين تحرك مازن بعدما دس يده في حقيبة ظهره الخفيفة و أخرج كشافا كبيرا كان محط سخرية الرفقاء منه دوما , فهو ليس ككشاف يدوي عادي ينير الظلام , بل كان كشاف المستكشفين الأوائل للأحراش المصرية على رأي هيثم الساخر , تحرك مازن تحت دلالة الضوء الباهر نحو الأمام , حيث لمح شيئا يلمع هناك , بضع خطوات مرت في سرعة و عجالة و قلقه يتزايد إزاء اقترابه أكثر فأكثر , حتى رفعها بين يديه , حقا كانت كما ظن , حقيبة ظهرها ! فأين يمكن أن تكون قد ذهبت !
-فاااااااااااااااااااااتن !
صرخ هذه المرة بقلق أكبر واضعا يديه على جانبي فمه لتكبير الصوت , ركض الأصدقاء نحوه في توتر حتى وصلوا إليه فأعطاهم الحقيبة التي وجدها فحملتها سماح للحظات قبل أن ترتعش يداها و تكاد تسقط الحقيبة منها لولا أن أسرع باسم و أمسكها في حين صرخت سماح بصوت يحمل نبرة أقرب للبكاء و الرجاء :
-فااااااااااتن ! هيا حبيبتي , لقد نجحتي في إخافتنا , هيا , أين أنتِ .. فااااااااااااتن !
الصرخة الأخيرة لم تتمالك سماح نفسها و كادت تبكي لولا مساندة مازن بسرعة لها , نظرت له و تمتمت برعشة في جسدها :
-لابد أن نجدها , المكان مظلم , ربما تكون قد ذهبت هنا أو هناك , هيا !
كانت محقة , لكن في أي اتجاه ذهبت ؟ تحدث هيثم متسائلا :
-أين كانت تحديدا ؟!
قال مازن :
-بكل تأكيد أنها كانت هنا , حيث حقيبتها ..
تابع باسم الكلام بقوله :
-ومستحيل ان تكون قد مرت من أمامنا , أنا و هيثم ركضنا في اتجاهات كثيرة ولم نلمحها قط !
تمتم هيثم بتفكير عميق :
-إذن لا يوجد سوى أنها ذهبت من هنا أو هناك !
كان يشير نحو الاتجاهين المتضادين يمينا ويسارا حول جسد الهرم الشامخ أمامهم , نظروا لليمين تارة و لليسار تارة أخرى , لا يوجد سوى الظلام المخيم أمامهم , تنهدت سماح بيأس :
-صعب أن نجدها في هذا الظلام !
ثم صرخت و ضربت بقبضتها الصخرة التي أمامها صارخة :
-لماذا تفعل الغبية شيئا كهذا !
كانت القبضة من القوة بمكان حيث أدمت يدها , سالت الدماء رقراقة قطرة بقطرة على الصخرة وهي تمسك بحافتها بكلتا يديها مرتكنة برأسها على ظهريهما في يأس , تنهد باسم و هيثم في حين شعر مازن بالشفقة و الخوف , فإن بدؤوا بالاستسلام لليأس و الذعر فحقيقة عثورهم على صديقتهم وقريبتهم ضربا من المحال , حين فكر أنه يجب أن يبحث عن هدف , يجب أن يكون هناك دليل ما , شعر أن عينيه تطرفان لضوء غريب يشع من مكان أغرب , مد يمناه ليبعد سماح عن الصخرة محدقا في الصخرة أمامه وسط دهشات الجميع من حوله , كان يرى الأمر بوضوح جلي , ضوء أحمر قاني يشع من الصخرة كأن الدم يسير في تجاويف مرسومة من قدم التاريخ هناك , كانت مصعوقا للدرجة التي نظر نحو الرفقاء من خلفه يستمد منهم العون , لكن كل ما وجده مجرد شعور خاوي من دهشة ..ليست دهشة مما يراه .. لكن دهشة مما يقوم به كما شعر ..
-ماذا هناك مازن ؟!
وقف مازن على قدميه بعدما كان جالسا ثانيا ركبتيه و قال مشيرا نحو الصخرة :
-ألا ترون ما أرى ؟!
نظروا نحو بعضهم البعض في صمت مطبق , كأن لسان حالهم يقول كان ينقصنا مازن , أما مازن فكان مصعوقا لأنهم لا يرون ما يراه , حدق نحو الصخرة مجددا ليجد الضوء قد توقف عن منتصف الكلمات كما يظن , فالكلمات التي يراها لا تعطي له أي معنى , نظر نحو سماح .. نحو يدها النازفة , فحركتها سماح بعفوية منها , فقد بدأ الجميع يخاف مازن الذي يقول أنه يرى شيئا في هذا الصخر المصمت , رفع مازن يمناه و حدق فيها لثوان قبل أن يهوى بها على حافة الصخرة بقوة ..
-ماااازن !
اندفع باسم و هيثم نحو مازن الذي أدمت يداه بشدة لتغرق الصخرة و نجحا في أن يبعداه عنها و سماح تصرخ:
-ماذا حل بك يا مازن ؟! فاتن ضائعة و أنت تصيب نفسك ! ماذا جرى لعقلك ؟!
لكنه هذه المرة لم يكن معها , كان بصره كله متعلقا بالصخرة بصورة جعلتهم يستديرون إليها مجددا , كان يرى الكلمات تتضح بصورة رهيبة له , أخذت دمائه تسيل حتى أغرقت الكلمات المجوفة أمامه لتشكل عبارة نطق بها بصوت مسموع :
-لقد بدأت ليلة الفناء للجميع .. هذه مجرد بداية .. فاتنتكم الحسناء بداية .. لن تمر الليلة حتى تكون لكم جميعا النهاية .. بوم تاراتوم .. نيتارارا براديوم .. نيتارارا براديوم !
فجأة توقف مازن عن الكلام , الكلمات نفسها توقفت , لكن وقع الكلمات و صداها لم يتوقف , نظر نحو الأصدقاء بعينين ذائغتين , لم يعرف ماذا يقول , أما هم فقد تسمروا من الذهول و الصدمة , الكلمات التي ينطقها مازن غريبة , مازن , العاقل , الراشد , الواعي , ابن رشدهم كما يطلقون عليه , يقول كلمات كهذه ؟ هزت سماح رأسها في قوة وهي تقول كأنها تزيح جبلا من فوق شعرها :
-كلا , لن أصدقك ..
أشار مازن نحو الصخرة و هو يقول راجيا :
-ألا يمكنكم قرائتها ؟!
نظروا للصخرة مجددا عبثا أن يرون ما يراه لكنهم فشلوا , فقال هيثم مطأطأ رأسه في حزن :
-للأسف يا صديقي , لم أكن أعلم أنك تحب فاتن لتلك الدرجة !
نظر مازن نحو هيثم بذهول , أما باسم فقد وضع راحت يمناه على كتف مازن و تمتم :
-أتمنى أن تستريح قليلا و تهدئ من روعك , فنحن سنجدها . لا تقلق !
ظل مازن يحدق نحو هيثم بشرود ذاهل , كيف يفكر فيه هكذا , كيف لا يرون الكلمات , استدار مجددا نحو الصخرة و لكن هذا المرة شعر بغرابة فيها , فالكلمات لم تعد موجودة , بل شعر أن الصخرة بدأت تنبض بلون أحمر غريب , بعد لحظة تالية شعر أن عليه أن يصرخ , فالصخرة تموج سطحها ليخرج منه مخلوق بشع للغاية , ما إن خرج رأسه و نصف صدره و يديه حتى امتدت يداه في سرعة نحو أقرب الناس إليه .. نحوها ..
-سماااااااااااااح !
صرخ مازن محاولا الوقوف و القفز ليدفع سماح بعيدا عن الخطر المرتبص بها , لكنه كان متأخرا , فبين إمساك هيثم و باسم له و تحرك سماح للخلف تلقائيا منها لشعورها بالخوف منه مع تحرك يدا المخلوق في سرعة شديدة جعلت مهمة إنقاذها مستحيلة !
-يا للهول !
تمتم باسم هكذا حين شعر أن سماح تجحظ عيناها أمامه , فاعتدل هيثم محدقا بنظرات زائغة صوب سماح التي بدأت في التحرك للخلف زاحفة سابحة في الهواء أمامهم لكن مسحوبة بواسطة ذراعي المخلوق الكريه هذا في عيني مازن الذي لم يقف صامتا و انقض بسرعة الصاروخ على سماح يجذبها من ذراعيها و هي لا تزال تسحب للخلف ..
-باسم , هيثم .. هيا بسرعة ساعدوني رجاءا !
تغلبا سويا في سرعة على ذهولهما و انقضا في سرعة يمسكان بسماح و يحاولان جذبها , للحظات لم ينجحوا لكن بعد ذلك بدأت سماح تتوقف عن الحركة , بل و بدأت عيناها تشع بنور الحياة مجددا و تعابير وجهها صارت ترسم أبشع وجه رآه الأصدقاء لها في حياتها .. وجه شخص على ..  حافة .. الموت !
-لن أدعك تأخذها يا لعين !
صرخ باسم في شدة , فحين أمسكا بسماح استطاعا رؤية ما كان يقدر مازن على رؤيته , حينها ترك سماح , قفز فوقها و انقض راكضا صوب الصخرة , وسط ذهول الآخرين اصطدم بالصخرة التي امتصته فورا في موقف تعالت فيه صراخه و معها سقط جسد سماح أرضا و تكور مع جسديها للوراء بعيدا عن الصخرة نتيجة ترك الذراعين لسماح في آخر لحظة لتقبض على من دفع حياته تضحية لسماح ..
-ما .. ما.. ماذا ح .. ح.. حدث ؟!
تمتمت سماح و جسدها يرتعش مما تراه , فالدماء صارت تغطي الصخرة و المنطقة التي أمامها , و صرخات باسم لا تزال تتردد صداها في آذانهم , نظرت سماح بجسد مرتعش و يدين تقبضان على كتفيها و جسدها المرتعش نحو الآخرين حيث يجلس هيثم صامتا مرتعشا و مازن يقف بصمت و ذهول بلا أية تعابير أخرى وجهيهما , نظر مازن إليها ثم إلى هيثم و قال بصوت مخنوق :
-يجب أن نرحل من هنا و نطلب العون فورا .. هيا !
اهتز جسده للحظات كأنه كان يحدث نفسه بصوت مسموع قبل أن يقول بجدية :
-نعم , يجب , هيا !
قالها بصوت بدا أشبه بمحاولة للصراخ , لكنها كانت نبرة كفيلة بتنبيههم للخطورة في البقاء هنا , ما إن حاولت سماح الإرتفاع عن سطح الأرض بجسدها لتقف على قدميها حتى شعرت بإهتزاز الأرض أسفلها , نظرت برعب نحو الأمام حيث الصخرة التي بدأت تومض من جديد , لكن هذه المرة كان الإهتزاز أعنف تحت قديمها , صرخ مازن :
-هياااااااااا !
ركض ماسكا بيدي سماح و هيثم يجرهما في سرعة ركضا فتبعاه دون تفكير , صاح أثناء ركضه :
-لا تحدقا بالخلف !
قالت سماح بنبرة باكية :
-الى أين سنذهب ولمن ؟!
نظر مازن لهيثم الذي هز رأسه و نظرا للخلف سويا , فوجدا الكائن خلفهما بهيئة الصخرة المكعبة و ذراعين تندفعان من الصخرة النابضة بالقاني و تصدعات بالأرض تبرز في أي مكان تتحرك فوقه الصخرة التي تتدحرج كأنها كرة تهوى من سطح أملس مائل مرتفع , كلوحات تزلجهم الخاصة , استدار مازن نحو الأمام ليلمح الفارس العتيد أمامهم , حارس أكبر مقابر فرعونية على وجه الأرض ! إنه هو , أبو الهول الشامخ الرابض أمامهم , لعل سر وجوده يكون سبب في إنقاذهم , قال مازن وهو يضغط أكثر على قدميه :
-من هنا , هيا !
فهما في سرعة ما انتواه , لا يوجد مخرج لهم هنا سوى أبي الهول , تحركوا ركضا و أنفاسهم تتلاهث معهم , لم يسمعوا إلا صوت أنفاس هذا الكائن خلفهم يعلو و يعلو دلالة على قربه منهم , و صارت اهتزازات الأرض أقوى و التصدعات أعنف , لكن رأس هذا الشامخ تقترب منهم أكثر و أكثر , صار الأمر متوترا للغاية , فسماح أضعفهم تركض متخلفة بخطوات قليلة عن مازن الذي يسابق الريح و خلفه بخطوتين عن يساره هيثم الذي لا يفتأ يحدق بين الحين و الحين في سماح كي يطمئن من وجودها جواره و لا تختفي كما فعلت فاتن , لكن الكائن صار قريبا للغاية , قريبا للدرجة التي سمعوا هسيسه القبيح داخل آذانهم يصدو بنغمات بدت كتراتيل عشقية للحومهم الطرية :
-توماتوم ديراماتوم
-تيناتوم نيتاراتوم
-سيتوم يسيبراتوم
-نيتاسوم نيتاسوم
-توم توم
-نيتاسوم نيتاسوم
ارتفع صراخ مازن وهو يقفز قاطعا المسافة الشاسعة التي تفصل بينه و بين المخلوق في سرعة , ليهبط مستديرا حول نفسه لاهثا محدقا نحو الأمام حيث هيثم صارت خطوة واحدة تفصله عن الظل الذي يشكله أبا الهول , بينما سماح ..
-سمااااااااااح .. أسرعييييييي !
صرخ مازن محمسا سماح كي تركض من مصيرها المشئوم , المخلوق يريدها , هو يرغب فيها , غاضب من الحول بينه و بين وليمته كما فعل باسم من قبل , و قد أوشك على النيل منها حقا , فنصف متر فقط هي المسافة التي تفصله عنها , و هسيسه يصدح في أذنيها بكل قوة أخارت قوتها , و مسافتها عن المكان المخصص للإنقاذ بعيدة تقارب الخمسة أمتار , القفز لن يفيد , هكذا فكرت برعب و أنفاسها تطغى على أي صوت آخر عدا صوت هذا البشع خلفها , أين أذهب , ماذا أفعل , صار صوت بكائها يعلو و يعلو داخلها عن أي شيء آخر حتى شعرت بأن قدميها ترتخيان , حرارة غريبة تسري في أوصالها و خمول غامض يصيبهما و تخدر بهما يعيقانها عن الشعور بجسدها يتحرك رويدا رويدا .. التفتت خلفها لأول مرة منذ الركض من على السفح , هناك , حيث الرعب المتجسد في كيان أحمر نابض خلفها ..
-آآآآآآآآآآآآه
-سمااااااااااااااااااااااح .. لاااااااااااااااااا !
انقض هيثم كالليث يفصل بين الحجر و فريسته , لينقض الحجر تلقائيا مفترسا هيثم وسط صرخاته كما فعل مع باسم من قبله مثيرا نافورة من الدماء أغرقت المكان بأكمله .. أغرقت سماح كذلك التي هوت على الأض من فرط هول الموقف و تدحرجت بكلتا يديها و قدميها للخلف دون أن تشعر مبتعدة عن هذا البشع الذي يقف أمامها يتلذذ بما أكله ,  اندفع مازن نحوها في سرعة ممسكا بجسدها المرتعش محاولا أن يوقفها فاستجابت معه في عجالة و هي تود الصراخ  , سقطت منه مرة لكنها قامت في سرعة معاونا إياها للمرة الثانية راكضين حتى وصلا إلى الفجوة بين يدي أبي الهول المؤدية لنفق أسفل رأسه الضخمة .. فتوقفت سماح و جسدها يرتعش رافضا الرحيل .. فأمسك بها مازن و حدق بعينيها وهو يلهث و الدموع تغرقهما :
-هيا .. هيا حبيبتي .. لا وقت لدينا !
كان يرتعش هو الآخر لكن ليس مثلها , فهو يملك زمام نفسه , أمسكت بيده و احتضنته بقوة شديدة و صوت التصدع يقترب منهما مذعنا بقرب الوحش المفترس من الضحيتين , فاحتضنها بقوة هو الآخر ناسيا ما حوله للحظات مرت كساعات , ابتعد عنها و حدق في عينيها , كانت هي من يحبها , ليس فاتن كما توهم صديقه الراحل , لكنها هي .. سماح .. من يحبها .. من يعشقها .. من يدفع عمره استعدادا و سعادة تضحية في سبيلها ..
-هل تحبني مازن ؟ هل ستدافع عني ؟ هل ستحميني ؟!
كانت نبرتها البكائية و المرتعشة مع جسدها تدفع المرء العادي للوقوع في دوامة بكاء عنيفة طاغية , حزنها كان صادقا و أملها كان باهتا و يأسها كان ملموسا لمن يحتضنها , أمسك بيديها بقوة و قال في ثقة :
-أحبكِ ! مستعد للتضحية في سبيلك ! مستعد للذود عنكِ حتى الموت !
نظرت سماح له كأنها تنظر له للمرة الأولى , ثم ابتسمت , من وقع كلماته على أذنيها ابتسمت , قالت بصوت هادئ :
-هذا ما كنت أتمنى سماعه !
ثم انقضت بفكين ضخمين على رقبة المسكين المصعوق أمامها تمتص من دمه ليسقطا أرضا و جسد مازن يرتعش من فرط المفاجأة أكثر من فقدانه للدماء تحت يد تلك المصاصة , لم تمض لحظات حتى وصلت الصخرة القانية إلى المكان , رفعت حينها سماح رأسها الذي تحول لفكين ضخمين ذو أسنان حادة و نظرت نحو السفح و ابتسمت ابتسامة ساخرة و قالت :
-كما قلت يا هيثم .. سفح الهرم يكسب الشفرات حدتها الشرسة !
ثم ضحكت و هي تتجه صوب الصخرة و ترتكن عليها , محدقة نحو مازن الذي كان ينتفض جسده بين اللحظة وأختها , نظر مازن وسط دمائه الغزيرة التي تنساب منه متسائلا سؤال واحد ..
-لماذا ؟!
ابتسمت سماح و قالت :
-لانني لست سماح ! لأنني لست تلك الطفلة الوديعة السخيفة التي تحب كل شيء و تكره كل شر ! أنا سليلة أجدادي ,استوليت على جسد تلك المخلوقة التعسة في يوم رحلتها إلى هنا منذ أحد عشر سنة ..
تحدث مازن بكلمات متقطعة و صوت يوشك على الخبو :
-هل كنتِ السبب في اختفاء الأطفال يومها ؟!
ضحكت سماح ضحكة قصيرة ثم قالت :
-نعم , لقد كانت وجبة لذيذة , أليس كذلك صغيري ؟!
خبطت براحتها اليمنى على سطح الصخرة كمن يداعب قطته الصغيرة , ثم نظرت نحو مازن الذي بدأ شعاع عينه يخبو و قالت متابعة :
-بالطبع تسأل لماذا فعلت هذا كله وماذا يحدث لك ؟ منطقي ألا تقدر على السؤال , فأنت في طور التحول , لكني سأجيبك حتى  أسلي على نفسي الوقت حتى تنتهي من تحولك .. نحن كي نتكاثر لابد أن نمنح مقدرتنا تلك لأشخاص يحبوننا حقا , أو أشخاص صغار في السن , السن الصغير هذا لا ننصح به كثيرا , تذكر هذه الإرشادات جيدا يا صاح ..
لم يكن مازن حقا في وضع يسمح له بالإستماع لتلك المخبولة , فجسده كان يتموج بصورة عنيفة كسطح ماء أُلقي فيه صخرة ضخمة , نظرت له بلا مبالاة و تابعت :
-لهذا انتظرت حتى يكبر جسد تلك المخبولة , و يعجب بها أحدهم , و قد كنت أنت ! بالمناسبة , أنا من اقترح على باسم فكرة الرحلة تلك منذ أسبوع و أخذت أضخم الفكرة في رأسه دون أن يعلم أنني موافقة , فأنا من أخبره عن رحلات سافاري تتم في الصحراء بواسطة شباب عاديين مثلنا .. وقد صدقني البائس , أمور فتيات كما تعلم , على كلٍ كان لابد من التخلص من أولئك الحثالة أولا , و قد كانت فاتن أولى تلك الضحايا ..
ثم اتجهت لتجلس على الأرض مرتكنة بظهرها على صخرتها و تابعت :
-حينها اتجهت أنت لتلمس الحقيبة خاصتها , أنت أخذت مقدرة رؤية الصخرة و ما يحدث لها من تغيرات لأنك اتصلت بالطعام داخل الصخرة , حينها كنت محتاجة لذعرك كي أذعر البقية و جاءت تمثيلية خطفي من قبل صخرتي الوديعة كي أوقع بباسم , ثم بعدها هيثم , حين تباطئت في الركض و أنت تعرف جيدا أنني أسرع فتاة في المدرسة عدوا و أسرع منك مرة و نصف , فكيف تسبقني يا أبله ؟!
نظرت نحو صخرتها و داعبتها و هي تقول :
-أبله , أليس كذلك ؟!
ثم نظرت نحو مازن الذي بدأ جسده يهدأ قليلا و تابعت :
-كنت في حاجة لأن تقول كلماتك تلك قبل أن أحولك , قلتها في وقت مناسب كما ظننت أنك ستفعل , و الآن أنت صرت مثلي .. مرحبا بك في عالم مصاصي الدماء المصريين !
قالتها و قامت من جلستها و هي تصفق فرحا للشخص الواقف أمامها , لم يكن سوى مازن , بهيئته , بمظهره , بملبسه , لكن دون الدماء على ملبسه , أو على جسده و شعره مصفف كالعادة , نظر لها مازن للحظات وهي تقف أمامه معجبة بما صنعته يداها ثم قال :
-أين صخرتي ؟!
نظرت نحو الهرم الأكبر و قالت :
-لتنادي عليها !
حدق نحو الهرم و صرخ :
-تعالي إلى هنا يا فتاة !
شعر أبو الهول نفسه بتلك الإرتجافة في جسد الهرم الأكبر الشامخ الذي يحرسه للحظات قبل أن يحدث تصدع مماثل لما أحدثته صخرة سماح لتقف أمامه صخرة أكبر و أضخم من صخرة سماح التي وقفت متذمرة قائلة :
-لمَ صخرتك أكبر من صخرتي ؟!  ليس عدلا , أنا من أتى بك ..
تمتمت بكلمات غير مفهومة ثم قالت بضيق :
-هيا , علينا أن نزيل كل الآثار في ثوان و نغادر المكان , لدينا تغطية ممتازة , الدرسين لم يتم انعقادهما و لم يحضر الثلاثة غيرنا .. هيا
قبل أن يتحرك مازن تسائل :
-ماذا سنفعل الآن ؟!
نظرت سماح نحو القاهرة الكبرى فيما حولها و قالت بنبرة سعيدة :
-علينا أن نحول السكان إلى أقران لنا , و نقتل من لم نقدر على تحويله !
تسائل مازن :
-لكن ألن يشعروا بنا ؟!
ابتسمت سماح و قالت ساخرة :
-لا , لن يشعروا , فهم لا يشعرون بشيء من الأساس .. لا تقلق .. هيا ..
وغادر الوحشان نحو المدينة الرابضة أمامهما لبدء معركتهما الشرسة .. و يا لها من ليلة !
انتهى
أحمد خشبة .
8\4\2009
1:12 p.m.

ديسمبر 29, 2008

دروس في الإملاء !!

السلام عليكم

باختصار شديد جدا ..

دروس في منتدى جسد الثقافة خاصة بالإملاء ..

أتمنى أن تتابعوها ..

من هنا :

تحياتي لكم جميعا

الساحر ..

المشروع الثالث .. النقد الجماعي ..

السلام عليكم جميعا ..
كيف حالكم ؟!
حسنا ..
نظرا لما لمسته هنا من كتابات جيدة بعيدا عن جو الرواية ..
كذلك لمست رغبة جميلة من أصحابها للنقد و التعلم ..
فقررنا أن نفتح مشروعنا الثالث هنا ..
حيث من يرغب بنشر أعماله للنقد و التعلم .. عليه بارسال العمل على إيميل الرابطة :
tagsdat@hotmail.com
فيتعرض لعمليات النقد الجماعية من أعضاء الرابطة و من زوارها .. مع تمنياتنا بأن يتعلم كاتب الموضوع من الأخطاء ..
نتمنى أن يكون المشروع بداية لمشروع أكبر في المستقبل ..
تحياتي ..
الساحر ..

ناروتو .. كما لم نعرفه من قبل .. التحليل الأدبي (1)

بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة التحليلات الأدبية للأدب الفانتازي العالمي ..
ناروتو .. (1)
السلام عليكم جميعا
كيف حالكم ؟!
اليوم سنتحدث عن أحد علامات الأدب الياباني – المانجا و الأنمي – و من وجهة نظري الخاصة أحد علامات الأدب العالمي الذي لا يمكن السير بجواره دون التوقف متفحصين بعمق ما يدور خلف الكواليس ..
بداية الأدب اليابني المانجا و الأنمي هي رسوم قصصية في الأساس , لكن لها طابع ياباني خاص بها , لن نتحدث عن هذا الشق هنا , لكن لنعرف أن الرسومات الأدبية تكون مبنية في البداية على قصة أدبية مكتوبة ورقيا , و هذا ما يجعل من المانجا و الأنمي و الكوميكس فنا أدبيا روائيا مسلسلا من طراز خاص .. وهنا سنتحدث عن الشق الأدبي ..
لن نتحدث في صورة ملفات خاصة بالشخصيات والأحداث , كلا , هنا سيكون حديثنا برؤية جديدة تماما لهذا الأنمي العظيم .. ناروتو ..
إن شئنا الدقة و أردنا تصنيف المانجا و الأنمي ناروتو أدبيا , فأي قسم سنضعه ؟!
بكل ثقة أقول الفانتازيا .. ناروتو أدب فانتازيا رفيع .. و هنا سنتحدث عن فانتازية ناروتو ..
إن أردنا الحديث أدبيا عن الفانتازيا , فسنتحدث ضروريا عن :
-العوالم الفانتازية
-التماسك الداخلي للعالم الفانتازي
-الحبكة
-الصراع
-الأفكار الأصلية .
-الأفكار التقليدية و مدى التجديد فيها.
-الهدف من الرواية
-نقاط القوة
-تسلسل الأحداث , و مدى تدرجها و تشابكها مع بعضها و مع الصراع نفسه .
-الغموض .
لكن .. نحن لا نتحدث هنا عن رواية .. نحن نتحدث عن أدب المانجا , و هذا ما يعني وجود اختلافات ضرورية بين الاثنين , لكن معالم الفانتازيا العالمية موجودة بعمق داخل العمل بوضوح ..
حسنا .. لنبدأ أولا بحديث عام عن فانتازية ناروتو و منها سنتدرج دخولا عبر العالم الفانتازي الخاص به ..
بالطبع معروف أن أول من أدخل فكرة بناء العوالم هذه إلى العالم الأدبي العالمي هو أستاذي تولكين , حيث قدمه في كتاباته العميقة بثلاثية الخاتم و السليمارية و تاريخ الأرض الوسطى , و قد قام بهذا العمل فانيا حياته كلها لإخراج هذه الأعمال فقط مع إضافة الهوبيت كبداية لهذا التسلسل المترابط للملاحم ..
جميل ..
فهل ناروتو كذلك ؟!
نعم .. ناروتو كذلك .. ناروتو أكثر مثال قابلته يسير بخطى ثابتة على نفس الطريق , به نفس ما بداخل الثلاثية و السليمارية , بداخله مقومات تجعله يحتل بلا منازع المرتبة الثانية بعد أدب تولكين الرفيع ..
ما رأيكم أن نغوص داخل عالم ناروتو الأدبي ؟!
ان كنت كاتبا , إن كنت ترغب بكتابة رواية فانتازية على طراز رفيع , فيجب أن تفكر مليا في نقطة بناء العالم الفانتازي الخاص بروايتك .. لكن قبل ذلك .. ماذا نعني بالعالم الفانتازي ؟!
معروف عن الفانتازيا أنها الكتابة في محيط الخيال , ربما يكون بطلها مصاص دماء يسير على الأرض , ربما وجود بشر يتمتعون بقدرات خارقة للطبيعة , ربما ..ربما .. لكن الشيء الأساسي فيه هو وجود أمر خارج عن المألوف .. وهذا أساس الفانتازيا .. جميل ..
تخيل معي أننا نريد كتابة رواية فانتازية , بطلها فرد يمتلك قدرات خاصة , أول أمر تفكر فيه هو ماهية القدرات الخاصة تلك , ثم تجد نفسك تتسائل , هل سيكون بمفرده ؟ أم سيكون معه من مثله ؟ ولو كان نعم يوجد من يمتلك قدرات خارقة مثله في العالم , فهل سيكون على اتصال به ؟ هل سيكون محتويا على نفس القدرات ؟ , ثم تجد نفسك تتسائل عن علاقة الفئة الخارقة تلك بالبشر العاديين , و منها تتسائل عن تاريخ الشعبين سويا , ثم تتسائل عن القدرات نفسها , كيف أتت ؟ ما هو مولدها داخل جسم الإنسان ؟ كيف يستخدمها الإنسان ؟ هل لها أنواع ؟ هل هي مضرة للجسم ؟ هل لها درجات يمكن الارتقاء فيها ؟!
هذه الأسئلة و عشرات غريها لو جلسنا نفكر سويا سنجد أنها تتولد تلقائيا , حتى هنا نحن نفعل ما يعرفه الروائيون بمرحلة التحضير ما قبل الكتابة , و هي مرحلة معروف أنها تشمل تحضير ملفات خاصة بالأبطال تحوي كافة ما يحتاجه الأديب من معلومات عنهم , و كذلك الحبكة و الأحداث الرئيسية , و معلومات عامة عن الرواية .. وهذا البند الأخير يندرج تحته كافة ما سألناه بالأعلى , فهذا ليس ببناء عالم .. هذا تحضير للعالم ..
كي أقول أنني هنا بدأت في بناء عالم فانتازي , يجب أن يوجد عالم مختلف عن عالمنا الواقعي في الرواية , سواء كان مع عالمنا الواقعي سويا جنبا إلى جنب , أم كان بمفرده .. ولكلٍ مميزاته و عيوبه ..
لكن ماذا نعني بوجود عالم متكامل جديد بالرواية ؟! نعود لمثالنا , حيث الشخصية ذات القدرات الخاصة , ماذا إذا قلنا أنه يوجد من مثله في العالم فعلا , يوجدون على هيئة شعوب , مدن , قرى , بلاد بأكملها , توجد في عالمنا الواقعي فعلا .. هنا ستتبادر أسئلة هامة : أين يوجدون ؟ وهل نعرفهم كبشر عاديين ؟ و ما تاريخهم مع البشر العاديين ؟ ..إلخ ..
بداية هذه الأسئلة تعني أنك بدأت أولى خطواتك في بناء عالمك الفانتازي .. هذا جميل .. ماذا عن ناروتو ؟!
ناروتو استخدم كاتبه الرائع ” كيشي ” الأسلوب الأصعب و الأروع , و هذا عن طريق خلق عالم جديد في الرواية , مع عدم وجود العالم الواقعي بالرواية مع عالمه , و هذا الأمر أصعب بكثير من وجود العالم الواقعي سويا مع الجديد .. لماذا ؟!
لأنه ببساطة وجود عالم واقعي مع الجديد لن يجعل الكاتب يفكر كثيرا في التحضير , فقط عليه أن يفكر في نقاط منطقية مثل الأسئلة التي قلناها منذ قليل , لكن لو كان العالم الجديد بمفرده في الرواية , إذا على الكاتب أن يفكر بعمق أكثر , يفكر في مظاهر الحياة الطبيعية , من طبيعة توجد بالرواية , من أصناف للكائنات , من توزيع للبشر في العالم الجديد , من علاقات بين البلاد , من اقتصاد , حياة اجتماعية , حياة سياسية , حياة ثقافية , و غيرها من أمور العالم الواقعي الذي نعرفه , أي باختصار عليه بصنع عالم مماثل لعالمنا الواقعي لكن مع تغيير ما يريده بحيث يتلائم مع أسس عالمه الفانتازي .. وهنا ما فعله كيشي ..
من يعرف ناروتو جيدا يعرف أن أحداثه تدور في عالم فانتازي , حيث خريطة لعالم لا يوجد على أرض الواقع , ينقسم العالم هذا لعدة دول , كل دولة تعيش نفس الحياة الواقعية تقريبا عدا شيء واحد .. أنها قديما كانت تلجأ لخدمات النينجا للقيام بأدوار قتالية في المعارك , وهذا ما جعل وجود قرى خفية أمرا واقعا في هذه الدول , لكن التاريخ تغير و انتهى الحال بالسلم بعد معارك ضارية , و هنا تدور أحداث روايتنا , أو لنقل تدور أحداث المانجا و الأنيمي .. ناروتو ..
حسنا .. ماذا عن عالم ناروتو ؟! كيف تم صنعه ؟!
العالم تمثل في تلك القرى الخفية , قرى موجودة في أماكن صعب الوصول إليها , و من هنا بدأ صنع العالم الفانتازي , فبداية أي قرية لها شعب , حياة سياسية , حياة إجتماعية , ثم نظام داخلها لسير الحياة و العمل إلخ .. و بالطبع لا ننسى التاريخ .. كل نقطة من هذه النقاط أوفاها كيشي حقها في ناروتو , فإن أمسكت قرية كونوها , وهي القرية الرئيسية في الرواية , سنجد أنها تُدعى قرية الورق , و هذا لقبها , موجودة في بلد النار , و هذا مكانها , ثم نجد تخطيطها , حيث يوجد جبل فيها , يتم نحت وجوه الهوكيجات السابقة عليها , ثم شعب كونوها , وهو شعب نينجا , يمارس بعضه الحرف الخدمية للقرية , و الآخرين يمارسون المهام القتالية .. ثم نتجه صوب البنيان السياسي , حيث الهوكيج الحاكم العسكري للمدينة , وتحت يديه جيش من النينجا , و في المقابل نجد قوى الشعب الحاكمة المتمثلة في roots , وهما رجل و إمرأة طاعنين في السن , يقومان بالحكم مع الهوكيج , و هذا مشابه لحالنا الواقعي , من وجود لقائد عسكري , أو الرئيس , و مجلس الشعب , و هو ممثلي الشعب في الوسط السياسي .. جميل ..
هنا أكمل كيشي الجانب السياسي للقرية , و بعدها همش الجانب الاجتماعي , فلا نعرف طريقة الحياة فيها , ولا نعرف طرق الزواج , فقط أوضح طريقة الوفاة و توديع الموتى عن طريق مقتل الهوكيج الثالث , و ما حدث بعده من مأتم ..
الرواية الفانتازية هنا تتسم بطابعها القتالي , و ظهر هذا واضحا في حصول الشق القتالي لأغلب تحضيرات كيشي في عالمه .. جانب النينجا و عالم النينجا ..
مخطئ من يظن أن عالم كيشي الفانتازي هو عالم النينجا , عالم النينجا هو جزء من عالم كيشي الكبير , لكنه يُعتبر الجزء الأضخم و الأكثر أهمية ووضوحا , لكن هذا لا يعني عدم وجود جوانب أخرى معه .. هذا فقط للتوضيح ..
المرة القادمة سنتحدث تفصيليا عن عالم نينجا كيشي , أو نينجا ناروتو .. أو عالم ناروتو القتالي ..
أرجو أن تكون شخابيطي قد أعجبتكم ..
إلى لقاء آخر ..
تحياتي
الساحر ..

… مقارنة بين أدب الفانتازيا و أدب الخيال العلمي

السلام عليكم جميعا
كيف حالكم ؟
حسنا ..
دار نقاشا أو لنقل توضيح لوجهات النظر الخاصة بيني و بين العديدين حول نقطة الخيال العلمي و الفانتازيا ( طبعا من بينهم العزيز جهبذ و الذي أتمنى ان يبادلنا ما يعرفه ) , لم أجد حقا لدي ما أقوله إلا أن أبحث داخل أعماق كل منهما ..
كتبت موضوعا بعد يوم من قرائتي لبدايات النقاش في منتديين أجنبيين , كان السؤال بسيطا :
-ما الفرق بين النوعين في طريقة الكتابة ؟!
-هل يحتاج أدب الخيال العلمي أيضا إلى بناء لعوالم خيالية مثل الفانتازي ؟ وهل هما بهذه الدرجة من القرب ؟!
حسنا , الإجابات جاءت من رؤى شخصية للمشتركين , و هم قراء كبار للأدب الفانتازي و الخيال العلمي , و كتاب هواة لهذه الفنون الأدبية , لكن سنلاحظ بعد أن اعرض الردود أن الجميع له وجهة النظر المشتركة , بأن النوعين يتشبهان كثيرا ..
فلنبدأ بأولى الردود :

Iansales

:
يمكن اعتبار هذا السؤال كمن يقوم بفتح علبة معدينة مغلقة تحتوي على الديدان ..
هناك تعريفات عديدة و متنوعة لأدب الخيال العلمي بقدر عدد الذين يقرؤونه , فعلى سبيل المثال , البعض يعتبر أن حرب الفضاء فانتازيا و ليست أدب خيال علمي بحت , لكن الآخرين يطلقون عليه أدب خيال علمي بحت .
و الأدب الفانتازي أيضا كذلك , حيث أنه لا يقتصر فقط على سيد \أمير الخواتم , عجلة الزمن , الزنازين و التنانين
Lord of the Rings, Wheel of Time, Dungeons & Dragons, لكنها إما أن تكون فانتازيا عالية الخيال , أو مجرد فانتازيا السيف و الكنوز , لكن في المجمل , الأدب الفانتازي أكثر تشعبا بكثير من أدب الخيال العلمي ..*حسنا , تعليقي على هذا الرد هو أنه يقصد أن التعريفات الخاصة في الوقت الحالي تعتمد على رأي القراء انفسهم , فهناك مثلا الفانتازية البحتة , و الخيال العلمي البحت , و بينهما نقط تلاقي كثيرة ..

Chopper

:

حسنا , مرة اخرى الأمر يعتمد على طبيعة الرواية التي تقوم بكتابتها , لكن إذا كنت تقوم بكتابة رواية تدور احداثها في ظروف غير معتادة على القارئ ( سواء كانت زمانية أو مكانية ) , حينها أنت بحاجة إلى خلفية قوية للكتابة , ربما لا تحتاج إلى الخرائط , أو إلى تخطيط عام للمجرة , لكن أعتقد ان جميع الروايات تحتاج إلى تنظيم خلفيات و تحضيرات قوية بشأنها بوجه عام , و على أقل تقدير الأدب الفانتازي و الخيال العلمي يتلاقيان عند هذه النقطة .
الحقيقة هو انه لا توجد طريقة كتابة أدب خيال علمي حقيقية , في الوقت الذي توجد 57 طريقة لكتابة الأدب الفانتازي , لكن في النهاية أفضل طريقة للكتابة هي أن تكتب ما تريد ..* حسنا ,اعتقد أنه هنا قد علق على نقطة التشابه بين النوعين في منطقة التخطيط العام للعالم الخيالي ..

Lith

:

هناك منطقة عريضة للتداخل ما بين أدب الفانتازي و أدب الخيال العلمي , و هذا السبب الرئيسي في تلاصقهما دوما معا , السبب الجوهري بين الاثنين هو أن أدب الفانتازيا يحتوي على السحر ,بينما أدب الخيال العلمي يحتوي على العلم , و عادة ايضا الفضاء . لكن هناك العديد من التداخلات و الاستثناءات , و الأمور التي يتجادل حولها الناس دون الوصول إلى قرار بشأنها ..
أنت لست في حاجة إلى بناء عوالم خيالية سواء في أدب الفانتازيا أو في ادب الخيال العلمي , لكن عملية البناء تلك تحدث بصورة كبيرة في أدب الفانتازيا عنه في أي أدب آخر ..* رأي خاص بالنوعين من الأدب مع ملاحظة رأيها الهام حول منطقة بناء العوالم الخيالية , فهو رأي هام فعلا ..

j.d.worthington

:


برافو إيان , شكرا على رأيك خاصة النقطة الأخيرة ..
إنه لمن الصعوبة أحيانا , خاصة عند بعض الكتاب أو في بعض الفترات الأدبية , ان نقول الفراق بين الأدبين نظرا لتقاربهما الشديد , و اعتقد أن هذا القرب الشديد قد يكون ناجم بصورة رئيسية عن النظرة الخاصة للكاتب للعالم الذي يخطه خلف كلماته , و هو الأمر الذي تناقشت فيه مع إيان مرارا و تكرارا ..
فأدب الخيال العلمي ( خ.ع. ) يكون مركزا بصورة أساسية على وجهات النظر الواقعية و النظرية و السببية المنتمية للكاتب , أما أدب الفانتازيا (أ.ف. ) فهو مركز بصورة رئسية على عالم يحتوي في بنيانه على قوى خارقة للطبيعة ( سواء كانت عن إلاه , أو عدة آلهة – بالطبع أمور وثنية يجب ألا نخوض فيها نحن المسلمين – , أو السحر و الأمور الفاتنة الجميلة الخيالية ..) , لكن هذه تعتبر قاعدة سريعة و قاسية جدا , حيث توجد العديد من الروايات التي تجعل الحدود الفاصلة بين العالمين ضبابية , رغم ان الحدود صارت أكثر قوة خاصة بعد تولكين , لكن على ما يبدو أنها تعاود تحللها مرة أخرى ..*حسنا , هذا الرأي هام , فهو وضح نقطة نظر أخرى للعالمين , و قام بتوسيع وجهات النظر , لكن مع انتهاء هذا الرد نجد أن خ.ع. فعلا ضيق الأفق مقارنة أ.ف. , على أي حال اتمنى أن تكون هذه الآراء قد أفادتكم قليلا ..نتحرك الآن نحو مكان آخر , الموقع الثاني الذي نشرت به نفس السؤال , و لنرَ الردود الأخرى الجميلة ..

Katg

:
حسنا , ع.خ. و أ.ف. هما ما نطلق عليهما ألوان الحكي الغير واقعية . الاثنان ينشئان عالم تخيلي غير واقعي . و السبب وراء وجودهما دوما سويا و جعل اسمهما غالبا (
sff) , و كذلك لأنهما يتم نشرهما عادة بنفس المطابع و بنفس الصحف , كذلك عادة ما يكون لديهما نفس القراء .
الاختلاف فيما بينهما هو في كيفية صنع الواقع التصوري الخيالي , و ما هي العناصر التي يتم و التي لا يتم استخدامها في ذلك . ينشئ خ.ع. عالمه دوما على العلم , مع شروحات للعناصر الغير واقعية الموجودة بهذا العالم من خلال نظرة علمية بحتة خاصة بنظريات علمية ( النظرية العلمية هي رؤى خاصة للعلماء تجاه مشاكل معينة لكن لم يتم إثبات صحتها بعد ) .أما أ.ف. فيستخدم العناصر الفانتازية المعروفة من السحر و القدرات الخارقة للطبيعة , و الظواهر الغير مفسرة , و التي لا يتم تفسيرها في هذا الأدب تحديدا بأية تفسيرات علمية كانت أو بنظريات علمية . و من هذا المنطلق فهما ضدان لبعضهما , كل منهما يتخذ طريقه الخاص و المختلف عن الآخر في سبيل صنع عالم واقعي لا يتواجد في العالم الحاضر .
لا يحتاج خ.ع. أو أ.ف. بالضرورة إلى صنع عالم خيالي , فالعديد من روايات خ.ع.ف. ( روايات أدب خيال علمي و فانتازي ) تدور أحداثها في إطار عالمنا الحاضر أو في خلال المستقبل القريب , و الشيء الوحيد المختلف عن عالمنا الواقعي هي العناصر الغير واقعية التي يتم دمجها في العالم الواقعي بالرواية . لكن من ناحية اخرى , الروايات التي تدور احداثها في المستقبل البعيد , أو في خلال حقبة تاريخية أو زمنية مختلفة , او في عالم خيالي , تحتاج إلى صناعة العالم الخيالي بكل تأكيد .
أما في نقطة الاختلافات حول طرق الكتابة بين الاثنين , فلا توجد حقيقة أية اختلافات , مثلما لا توجد أية اختلافات في طرق الكتابة بين خ.ع.ف. و أي نوع من أنواع الروايات الواقعية , لكن ربما تحتاج روايات خ.ع. إلى كمية معينة من المعلومات العلمية و الأبحاث , بينما تحتاج الروايات الفانتازية إلى كمية معينة من البحث الثقافي و التاريخي ( تلك الكمية تختلف حسب كل رواية ) .*حسنا , رأي أجده أقوى ما قرأت في الردود , به طريقة بحثية نوعا ما و منهجية في التعريفات و الرؤى الخاصة , فهو رأي لا يمكن الاستهانة به , و مفيد بالطبع ..

Ranke lidyek

:


حسنا , تعريف خ.ع. يتضمن حل المشاكل الخارجية عن طريق الاستخدام المبتكر للتقنيات التأملية و الفكرية ( أعتقد انه يقصد النظريات العلمية ) , وبدون التصور العلمي , لا توجد حبكة روائية .
أما الفانتازيا , فتعريفه يعتمد على عمل العالم الخارجي كبديل عن العالم الداخلي , و هي مثلا النفس أو الروح . الكتابات الإسطورية تقوم باستكشاف العالم الداخلي و العاطفي , و الذي نعتبره الأمر الروحي داخلنا , مثل الروح ( أعتقد أنه يريد الحديث عن هدف العالم الفانتازي , فهو ليس أدب الأساطير كما هو معروف , بل إنه يتطور إلى ما هو أبعد , و ستكون مقالتي القادمة باذن الله عن هذه النقطة بصورة مركزة , و هذا ما أعتقده حقيقة من رده الفلسفي ) .
أنا يمكنني القول بأن أ.ف. مبني بصورة أكثر على الأمور العاطفية و الداخلية بصورة كبيرة . خ.ع. ( على الرغم من كونه يحتوي على الامر السابق ) لكنه يعتمد بصورة رئيسية على الأمور الخارجية ( يعني الكاتب هنا الاعتماد على النظريات العقلية و الأمور الفكرية دون التطرق لأمور عاطفية او روحية , هذا ما أراه ) . يختلف قراء خ.ع. عن قراء الفانتازية في أن كل طائفة ترغب بشيء مختلف تود رؤيته و قرائته في الرواية . قراء الفانتازية عامة يضعون أولوية على المشاعر و الأحاسيس في الرواية , بينما قراء خ.ع. يريدون التفكير , و بالطبع هناك روايات كثيرة تقوم بالأمرين معا .
أرى أن بناء العوالم الخيالية أمرا مطلوبا في كافة ألوان الأدب القصصي الخيالي , و غير الخيالي , . حيث لابد من وجود الشعور بالمكان , ربط القارئ بالرواية , كي تجعل القارئ يصدق ما تكتبه . الكتابة برمتها خدعة , حيث عليك أن تستخدم مرايا و زوايا مختلفة كي تجعل الناس يؤمنون بما هو مستحيل تصديقه . أرى أنه لا حاجة لأن يكون بناء عالمك الخيالي صعبا , فقط يجب أن يكون متماسكا و مناسبا و يمكن تصديقه ( *سأقوم بإذن الله بتحضير جزء هام عن هذه النقطة نظرا لأهميتها ) .
أدرك أن تلك الخطوط عادة ما تكون مشوشة , لكن أنا أؤمن بوجود اختلاف رئيسي في جوهر كل منهما , و بالطبع أحتفظ بحقي في كوني مخطئا , و أتمنى أن أكون قد أفدتك ..حسنا , لقد وصلنا إلى نهاية الردود ..
كما قلت في البداية , الكل يجمع على وجود تداخلات بين الأدبين بصورة كبيرة و عميقة أحيانا , لكن هناك سمات خاصة لكل أدب ,من قام بالرد هنا كتاب يكتبون أدب الفانتازيا ( هواة ) و قراء أدمنوا هذا اللون الأدبي , بالطبع ليست الفانتازيا فقط , بل أعني خ.ع.ف. , الاثنين سويا ..لقد انتهى نقاشهم..
فماذا عنكم ؟!

أتمنى أن اجد نقاشات قوية و مفيدة و مثمرة ..
قد يتسائل البعض عن فائدة وضع هذا الموضوع الآن , عن نفسي لا أعرف , لكني أشعر أنه من الضروري أن نعرف ما هي حدود كل فن ادبي , و بعض من سماته الأساسية , قبل الخوض في تفصيلات دقيقة ..

أتمنى ان أكون قد أفدتكم ..

تحياتي
الساحر..

هاري بوتر الجزء السابع .. تحليل أدبي بسيط قبل القراءة ..*سبويلر*..

كبداية يجب أن أعترف أنني لم أقرأ الكتاب , لأنني لا أحب قراءة الإنجليزية , لست قويا بها للدرجة التي تمتعني بالقراءة , ليست القراءة مجرد ترجمات للمعان , بل هي فهم عميق و تحليل و ربط و انسجام مع ما تم كتابته , الغوص في أعماق الإبداعات اللغوية , التي أفضلها عربية لتذوقي الشخصي عن الغربية ..
عودة مرة أخرى لموضوعنا , الكتاب السابع , أذكر أنني قلت لمن قص لي القصة كلها بالتفصيل الذي قد فهمه و استوعبه من خلال القراءة , قلت أنها نهاية باهتة بكافة المقاييس , و قد أحبطتتني رولنج ..
صديقي كان مندهشا , كان يرى النهاية قوية , لكن كانت لي أسباب ..
نهاية سلسلة تختلف اختلافا جذريا عن نهاية جزء , نهاية جزء من المتاح للكاتب أن يكتب و يقول ما يريده , لا حجر عليه , لا ضغوط ..
لكن هنا , الوضع مختلف تماما ..
نهاية السلسلة لابد لها من أن تكون قوية , قوية إلى الدرجة التي تتلائم مع السلسلة ذاتها , ليست قوية بالدرجة التي تتناسب مع مستوى الجزء فقط ..
كنت أقولها دوما لمن هو قريب مني , إن قامت رولنج بعمل نهاية بسيطة , نهاية سطحية , نهاية لا تعتمد على القوة و الحبكة و الدراما , نهاية بها غموض وإثارة , , فهي بذلك تكتب عقد نهاية عهد الإسطورة بصورة سخيفة ..
أنا بنفسي و أنا لست الكاتب تخيلت نهاية لم يتوقعها أحد , وأتذكر أنني حين كتبتها صعق كل من قرأها ,صعق إلى الدرجة التي كادوا يموتون كمدا لأنهم لم يفكروا بتلك الطريقة المعقدة ..
كان لدي طموح أدبي عال أن رولنج ستعرف هذا المأزق جيدا , مأزق هي وضعت نفسها فيه ..
لكن بكل أسف , لم تستطع ..
تحفظي -ككاتب – على ما قامت به , هو أنها قامت ببناء الحبكة الخاصة بالجزء , بنت كل شيء في آخر جزء بالسلسلة على أمور جديدة تماما أخبرتنا بها في هذا الجزء , كأنها تنهي جزءا و ليس سلسلة , كأنها بكل سهولة تتنازل عن حقها الشرعي في الستة أجزاء السابقة , لماذا سيدتي تقومين بهذا الدور المسرحي القصير و أمامك تحضير كبير و ضخم ؟!!
كسلسلة قوية , كي أستطيع أن أقف من على مقعدي , أصفق بكلتا يدي , أحني رأسي احتراما لمن كتبها , لابد أن أشعر أن السبعة كتب كيان واحد , كيان متماسك , لا يمكن فصله , يجب أن أشعر أن الحبكة الكبرى كانت مستمرة من خلف ظهري , و في نفس الوقت أمام عيناي , لكن عقلي القاصر لم ينتبه لها ,أو ربما عقلها الجبار التفت لها قبلي ..
يجب أن أشعر أن المعلومات الموجودة بالجزء السابع ما هي إلا خلاصة ما قرأت أنا قراءة بسيطة خلال الستة أجزاء ,لكن بكل أسف لم يحدث أي شيء من هذا ..
كنت قد استنكرت ما فعلته رولنج في الجزء السادس , فعلى الرغم من اعترافي أنه أصعب جزء يمكن أن يواجهه كاتب في تاريخه , و أنه أصعب كتاب كتبته رولنج , و قد نجحت كاتبة الواقعية في ما فعلته – وقد تندهشون لما وصفته بها لكنها كذلك عندي – لكن الأمر لم يكن هكذا في رأيي ..
في رأيي جاء الجزء السادس هكذا لأن رولنج اكتشفت أنها قد ضيقت الخناق على نفسها
بإصرارها المستميت على جعل هاري سبعة أجزاء فقط , اكتشفت أنه يتبقى أمامها جزئين , و حبكة السلسلة بأكملها لم تخط فيه حرفا واحدا ..
لقد أغرتها الرواية قبل الجزء السادس بعدم كتابة أي شيء خاص بالحبكة , لهذا جاء الجزء السادس تقريريا بصورة كبيرة , مما جعلها مهمة صعبة و شاقة على الطرفين , الكاتبة , و طرف القراء ..
بالنسبة للجزء السابع , كون رولنج تقوم ببناء إسطورة جديدة خاصة بالأحداث السابقة التي حدثت لدمبلدور , و كيف كانت حياته ,ثم أن تصل هذا كله بما كان يحدث , لا أحبذ تلك الفكرة تماما ..
لقد انشغلت رولنج – على ما أظن – بالتفكير في كيفية صياغة الحبكة و الأمور التي بعقلها , أكثر من اهتمامها بمحاولة الربط بين الأجزاء الستة السابقة , مما جعل الجزء السابع – في نظري – أضعف أجزاء السلسلة و أكثرها قوة من ناحية الاحباط ..
الأمر الذي يثيرني حقا هو مدى تشابه الأفكار ما بينها و بين القراء , يقولون دوما -درس تعلمته في بدايات كتاباتي- حينما تعتمد على أسلوب إخفاء الحبكة و إظهارها في النهاية كما كانت تفعله أجاثا كريستي , لابد و أن تعرف أمرا هاما , إن استطاع القارئ سبر أغوارك قبل أن تخبره أنت بالحبكة , فاعرف شيئا واحدا … لقد فشلت ..
للأسف جاءت الحبكات الرئيسية هنا واضحة للغاية ..
الندبة
موت دمبلدور
سنيب
نهاية السلسلة
مصير الجميع
تقريبا تقريبا كل شيء جاء باهتا ..
إذا رغبت بتقييم رولنج عالميا , فسأقارنها بأستاذي العظيم , تولكين , أقول أن تولكين استطاع بناء عالما متكاملا , استطاع أن يجعلني أشعر فعلا أن الثلاثية مع السليمارية مع الهوبيت و تاريخ الأرض الوسطى , نوتة موسيقية لمعزوفة واحدة تناثرت مقاطعها و تراكاتها بين البلدان و الأزمنة , و ما أنا إلا بجامع حلي قديمة , انتهيت من تجميع كافة قطع البازل , لينتهي تعبي بالاستماع إلى أغنية النهاية و البداية و أغنية كل الأوقات , العمل المتكامل ..
أقول هذا لأن رولنج شأنها شأن أي كاتب فانتازي معاصر , ترغب بتحطيم إسطورة هذا العظيم , تحطيمه أدبيا , و لا أعني التحطيم بمعنى التحطيم , أعني التطور على مستواه بالطبع …
لكن بكل أسف فشلت رولنج في هذا الاختبار و بجدارة , و أحبطتني معها و أحبطت معها أي قارئ عاقل يزن المعاني و الأمور جيدا و يفهم ما يجب ان يُقال أو أن يُكتب ..
فقط نقطة أخيرة ..
لاحظت أن البعض ينتقد طريقة النهاية ..
لا عيب في أي نهاية يختارها الكاتب , مادامت جاءت بصورة جميلة ..
عن نفسي لا أحبذ النهايات السوداوية , مثلي مثل أستاذي العظيم تولكين , رغم مأساويات رواياته و صعابها , إلا أن أبطاله بقوا على قيد الحياة , هذا لأن القارئ يتعلق ببطل معين , إن قتلته له , اُصيب هذا القارئ بالإحباط , , نحن لا نحب هذا ..
تحياتي ..

المجموعة القصصية : في عبق قهوتي الصباحية .. كاملة ..

السلام عليكم جميعا
كيف حالكم ؟
حسنا , أنا لا أحب القصة القصيرة , كتاباتي فيها قليلة , بل نادرة , و حين أكتب يظنني الجميع أكتب ألغازا , لهذا لا أحبها ..
لكن هنا الوضع مختلف ..
جاءت كتابتي للمجموعة تلك في ظروف خاصة للغاية , حيث الشعور الأسمى في الوجود , شعور الحب الرقيق , الدافع الأقوى لتحريك طاقات الأديب , اندفعت في قوة أخط بيداي في غضون نصف ساعة كلمات تلك المجموعة القصصية ..
ربما تتساءلون عن علاقة القهوة بالورود الحمراء .. الإجابة تكمن حين تقرؤون المجموعة ..
خمس قصص , تتبع الطابع الرومانسي , تتحدث عن مشاعري الخاصة , عن عواطفي , لا أدري إن كانت ستعجبكم أم لا , لكنها تعجبني ..
سأنشر بعد إذنكم أربع قصص فقط , و سأبقي الخامسة لدي , فهي مفتاح اللغز و حل شيفرة المجموعة , وهي ملكا لي و لقلبي و لمن تستحق قلبي ..لتصبح .. الخامسة المفقودة إلى الأبد ..
سيدتي , أستسمحكِ عذرا في أن تدعيني , أُطلق ما بداخل قلبي , اتركيني , أتحرر , اتركيني , أحلق ..في فضاءات الكون المظلم , لأنيره من داخل قلبي , بضوء أخاذ ساطع , مُقتبس منكِ .. حبيبتي ..
أترككم مع المجموعة , وأولى القصص , متمنيا أن تعجبكم ..

************

القصة الأولى … كليوباترا العرش الحزين .

تهاديت في خطوتي علني أصل سالما إلى داخله , أخذت أرنو حتى وصلته , مقهى أعرفه , اعتدت دوما على أخذ قهوتي الصباحية الدافئة التي تمدني بالنشاط فيه , رنوت من مقعدي المفضل , و كما هي العادة , صوت أنثوي عذب يشدو في الجوار , لا أتذكر أنني أعرف صاحبته , أو أتذكر شكلها أو هيئتها ,لكنها أدخلت في جسدي النحيل البارد قشعريرة دافئة , كرياح الصبا الجميلة , اندمجت مع الألحان الهادئة التي تشدو عليها أغنيتها , و بكل حيرة لم أعلم ما تعنيه , لكني أفهمه , ربما أكون مجنونا ,لكن مجيء النادل بكوب قهوتي الصباحية المعتادة دون أن أطلبها كان كفيلا بإخراجي من هذه التساؤلات للدخول في تساؤلات أهم , هل سأدخل في عبق قهوتي الصباحية كالمعتاد أم لا ؟ لكن ما هو المعتاد ذلك , أنا لا أتذكر , لهذا نفضت التردد و لمست جدران كوب قهوتي لأستشعر دفئها , و الذي أمدني بطاقة غريبة , و معها جاءت أفكاري الضائعة ..كليوباترا العرش الحزين ..
يقولون أنك كلما ارتشفت من قدح قهوتك الساخنة في الصباح , فأنت تشعر بتجربة مرت عليك من قبل , لكني لم أقرب قهوتي الموضوعة أمامي بعد , لم أحتسي منها ولا رشفة واحدة , لكن على ما يبدو أن تلك الأبخرة المتصاعدة من فوهة هذا الآتون قد تغلغلت داخل خياشيمي , موقظة عقلي الباطن المدفون في أعمق أعماق الكهوف المخية , لأجد نفسي أتمرجح بين ذكريات الماضي , لأعيش تجربة لم أعشها قبلا , تجربة شخص يُدعى .. أنطونيوس .
يا له من محب , ألا يمل من محبوبته ؟ .. أرأيت كيف يتلصص عليها دوما بنظراته ؟ .. لقد صارحت أختي اليوم بما يفعله نحو محبوبته , وقد بدت رغم احمرار وجهها و خجلها أنها غاضبة من هذه الفعلة الشنعاء ..
مهلا , هل صار الحب جريمة في هذا الزمان ؟! أم كانت الطبائع البشرية حائلا بين قلبين تعاهدا على الحب و اجتمعا عليه ؟
صحوت من غفوتي اللحظية الزمنية لأعود إلى جوانب أمكنتي الدافئة , حيث أخذت الأبخرة تتوغل أكثر فأكثر , كم توقفت كثيرا أمام أسطورتيهما , أسطورة الحب العذرية , أنطونيوس , الفارس المغوار , في الحب فارس , في القتال فارس , لكن لم يكن فارسا مكتوبا له النجاح , لم يقدر على إكمال السباق , فقلبه توقف من فرط حبه , أو هكذا خُيل لي ..
محبوبته , كليوباترا , جميلة الجميلات , معشوقة أبدية في محراب الحب العذري , لم تستطع أن تجاري رياح القدر , فتهاوت بأشرعتها مرة بعد مرة في بحر العشق العميق , و يا له من عمق ..
انتبهت على أنغام موسيقى تطرب على أذناي , لم أستطع أن أتوقف عن ملاحقة الموسيقى الهادئة , التي أخذتني في جولة أخرى داخل محراب حبهما , أراقبهما و هما يلتقيان أول مرة , نظرة الشغف و الفضول المعروفة و المعهودة , سحابة تهوي بيني و بينهما ليظهرا بعدها في مشهد مقابلة حنونة , يتهادي فيها الفارس مطأطأ رأسه و جسده في احترام و إعجاب بتلك الحسناء التي تحدجه بنظرات .. , يا لها من نظرات , بعدها عناق طويل , فهمس خفيف , فكلمات لا نهاية لها من بداية , فدموع الفراق و العناق و الخوف و الاشتياق , فأخيرا جثمان فارس كان يقاتل في جيوش الحب ضد جيش الكراهية , مدافعا عن راية الحب السامية , لكنه هوى , و هوت معه أحلامه , ورايته , و بطرفها عنق محبوبته ..
اهتز جسدي تحت ما رأيت , لأجد أصابعي تتلاعب بطرف الكوب الموضوع أمامي , لأنتبه على صوت أنثوي رقيق , يسألني في رقة و عذوبة :
ماذا تريد سيدي أن تسمع ؟!
نظرت لها في خشوع معترفا بجمال الأنثى الحقيقي , لكن دمعة من عيني أبت ألا تنزل احتراما لنضال المحبين , فابتسمت رغم دهشتها و قلت :
فلتعزفي لي .. سيمفونية كليوباترا ملكة العرش الحزين ..
وقد كانت سيمفونيتها لا تقل روعة عنها , لا جمال , لا حزن يفوق ما شعرت به من تدفق خلاب لأنغامها , امتدت أصابعي مقبضة على الكوب في قوة و ارتشفت أولى القطرات الساخنة و أنا أتمتم داخلي :
فلتعيشي حرة أبية يا ملكة العرش الحزين ..
ويا له من عرش , ويا له من حزن ..

************

إنبثاق شمس الحب ..القصة الثانية ..

أوليس كل عاشق على القلب متيم ؟ابتدأت السيدة الرقيقة في هذا الركن الهادئ أطروحتها الغنائية بهذا التساؤل الغريب , الذي كانت غرابة انبثاقه داخل رأسي كشمس فجر جديد , شعرت بدفء تشككت أن يكون ما احتسيته من رشفة قصيرة من قهوتي سببا فيه , لكني سرعان ما هززت رأسي مزيلا بقايا هذا التفكير , إذ رأيت أمامي أنثى و ما أجملها , تحمل رسالة وما أرقها , و بعينيها دموع و ما أثقلها ..
كم أحبك يا هلواز !
كان اسمه محفورا , ليس على الورقة المهترئة التي تحمل الكلمات , ولا على الغلاف المطلى بذهب أو هكذا تهيأ لي , لكن على جدران قلب من أبصرها أمامي , هوت , على فراش الموت الأسود , كوردة ناعسة حمراء , أصابها اليأس في مقتل , لتسيل دمائها الذكية مكسية إياها هذا الثوب الفاتن , لكنه أسود رغم عن ذلك كله , ولا تسألني السبب , فلست بمن يعرف خبايا النفوس ..
أو ليس كل قلب دام له جرحٍ
بيد العشق له على جدرانه بصماتِ
تابعت العاشقة أغنيتها , ولذهولي , كانت هي , الفتاة الرقيقة , نفسها الفتاة المذبوحة , حتى أنني ظننت أنني شربت شيئا ليس بالقهوة منه قطرة , لكن قلبي رفض هذا التفكير الشرير , تفكير كون الاثنين واحدا , و ليس التفكير الأخير ..
وجدت نفسي أعود مرة ثانية إلى جدران المقهى العتيق , أشعر ببخار القهوة تلفح وجهي بيد ناعسة , تحاول محاولات باهتة أن توقظني , لكن هيهات , فلقد بلغ الشغف مني حدا جعلني أهلل , يا محبة العشق استيقظي , لا حياة دون عشق و لا عشق دون حياة , لا تسلسلمي , أفيقي ..
لكن على ما يبدو كنت أنا من يحتاج لإفاقة , فتلك الرقيقة دست يدها أسفل وسادتها السمراء , لتخرج شيئا لمع نصله في وجهي , شعرت أن قلبي من سيُدق عنقه توا و ليس عنق قلبها , لكن لم تفلح صرخاتي , لم تنجح توسلاتي , يا أميرة العشق أفيقي , لا تحزني , لكن هيهاتِ , كنت أنا من يحتاج حقا لإفاقة , فخنجرها ما إن ارتطم بصدرها , حتى شق أضلعها , ليندس كالثعبان داخل جرابه الجديد , و كأن القلب ينتظر تلك الفرصة , فترك وظيفته ليقبض على وظيفته الجديدة كجراب من حديد , هويت على الأرض من فرط ذهولي , من خوفي , من حزني و ارتعاشتي , لكني لم أهبط إلا على المقعد الوثير , داخل جدران هذا المقهى الجميل , لتتابع الرقيقة شدوها الحزين :
وكم من نفس هوت داخل بوتقة العشق الأليم
حتى ترددت أصداؤها بجدران المعبد القديم
لا تبتئس من كل عشق فشل في الترانيم
فهي ترانيم حب باندفاع ضوء الصباح الكريم ..
شمس ترائت لمن أبصرها غائبة في الغيوم
لكنها كانت درة متلألأة بين أصابع المكلوم ..

نعم , شمس تلألأت داخل أصابعها , بل من داخل قلبها , لقد رأيتها , ضوء أخاذ دفعني من غفوتي , ليدفعني داخل صحوي و يقظتي , لأراه , كائنا سرمديا أبيضا لا ملمس له و ليس بالسراب , ابتسم في حنان و رقة , ليختفي و معه الشمس في الأزقة , تراه هناك , و هنا , تركض ورائه كطيف قنديل قديم , لم يكن أكثر عتاقة من المكان الذي أنا فيه , حيث مقهى قديم , أقترب لأحتسي رشفة جديدة , و معها في كل مرة مغامرة مريبة ..

************

القصة الثالثة .. رياح العشق القديم ..

ارتشفت قدرا جديدا من هذه القهوة الجميلة طيبة المذاق , لأعود بظهري مستكنا , متنهدا , مخرجا نفسي من بوتقة الحزن الأليم , منهيا هذه الحالة مع نهاية الأغنية الجميلة للرقيقة صاحبة الصوت العذب , فكرت فيها لوهلة , تُرى ما شكلها ؟ لم أرها حتى الآن , فقط رأيت صورة جميلة لا أتذكر ملامحها , يا للعجب , كيف هذا ؟! , لكن لم أكترث ؟! أهو الفضول الإنساني ؟ أم أنه مجرد شهوة بلا يقين ؟ اتخذت قراري , و قلت لنفسي : لابد من أن ألمح وجهها ولو طرفة عين , من يدري ربما أكون أعرفها من مكان لا يدركه عقلي , أو من ذكرى لم ينساها قلبي , كدت أستدير , و للصوان الجميل أعتدل و أحدق , لولا هبوب تلك الرياح الموسمية , الحارة الرطبة , لا تسألني كيف لكنها كانت هكذا , فأفقت على هذا الشعور الغريب ..-كم أعشقك , لكن لا مجال لدينا ولا وطن , كلها غربة , حتى الحنين إليك صرت أراه بالشعور الذي لا أستحقه !
-حبيبتي , لا تبتعدي رجاءا , أتوسل إلى قلبك الرقيق ..
-لا تحدث قلبي , إنه الضحية هنا , فقط حادث عقلي ..
-وهل كان لهذا الكائن من وجود بيننا من قبل حبيبتي ؟
لم تجبه و انصرفت , و سيقانه على الأرض انحرفت , لتجد مثواها الأخير , على الثرى , لتندفع في شهقة و صراخ , و الأخير كانت على حال الحبيب , الذي فارق الحياة , و عيناه معلقة بصورة الحبيبة , معطية له ظهرها في إشارة عن الرحيل , فآثر الرحيل نهائيا , ربما , يكون هذا تخفيفا عن عذاب الفراق و القلب الجريح ..
ابتلعت ريقي في صعوبة , لماذا ؟ وكيف ؟ ألم تحبينه ؟ ألم تعشقينه ؟ لماذا لم تقفي معه أمام الرياح العاتية ؟ لماذا آثرتي السلامة و الرحيل ؟!
وجدتها كمن سمع همساتي , شهقت , تخيلته شبحا , لحبيب مضى و رحل و فارقها , أو ربما , تخيلت صرخات مثيلة كصرخاتي , أو ربما كان شبحه بالكاد يفارق جسد الحبيب , ليطرح تساؤلاته في نهاية الطريق , و يا لها من نهاية , تشبثت به , بدت كمن يتشبث بقشة على سطح المياه الغزيرة , لست أنا من تركك حبيبي , لست من كان سيبتعد , كنت أحبك , ولازلت أحبك , و الحب تضحية , و لن أدعك تموت أمام عيني في سبيل العيش معي للحظات من سعادة ..
قاطعتها بضحكة حزينة أصدرتها , كيف تقولين هذا , لقد مات كمدا من فراقك , ألم يكن الحال الأول أفضل بكثير ؟
اهتزت في شدة و انفعال , لم أعرف كيف تسمعني , أو ربما كنت أنا الشبح , أو ربما كنت صاحب الجسد القتيل , لم أعِ ما أقول , فقط وجدتها تصرخ باكية , جاثمة على جسده , ممسكة بتلابيب ملابسه , صارخة في قوة , بل كانت في حزن :
-لم أقصد حبيبي , لم أقصد حبيبي , لم أكن أقصد صدقني , ارجع لي رجاءا , لن أفكر هكذا مرة أخرى , كيف تظنني سأرحل ؟ كنت سأعود , كنت سأعود , لا أقدر على الرحيل , فكيف تقدر أنت , كيف ترحل عني و تتركني ..
لم أستطع أن أتابع , اهتززت في مكاني للحظة , فوجدتها تقوم , من على الجثمان و تتركه , لكن تستدير , ملقية نظرة أخيرة على هذا الشاهد الرخامي , حيث مذيل في أسفله اسما و رقما يعبر عن تاريخا , لا قيمة لهما لمن كتبهما , لكن له قيمة عند من يقرؤهما , هبت رياح موسمية , حارة رطبة , أطارت قبعتها و ملابسها التي تشكلت حول جسدها , لأجد جسدا رخاميا , يا لها من حياة , حياة البعد عن الأحبة , ويا لها من رياح , رياح العشق القديم .

************

القصة الرابعة .. لقاء الموتى ..

أمسكت بفنجان قهوتي أكبه داخل جوفي محاولا إفراغه , لكن سخونته كادت تحرق لساني الغض فتوقفت في ثوان , لم أعِ ما كنت أقوم به , فقط انتبهت إلى تلك الموسيقى الهادئة الحزينة , شاعرية للبعض , مؤلمة للآخرين , و أنا منهم , توقفت عن الحنق و الحزن لأتسائل , لماذا أشعر بهذا الشعور المؤلم لتلك الأغنية الأجنبية :LADY ..انطلقت السيدة الرقيقة تشدو بتلك الأغنية , ما إن سمعت أولى حروفها حتى شعرت أن غصة احتقنت بحلقي , أو أن قلبي قد ترك صدري ليلتصق بجوفي , أو أن عقلي قد هبط من جمجمتي ليستقر في حلقي , أو ليس هذا ولا ذاك ,لكنه شعور غامض , قررت أن أفكر لماذا , وليتني لم أفكر ..
سبحت داخل أمواج الأبخرة المتصاعدة من فوهة آتوني بكل إنسيابية , أبخرة ترتفع , ترتفع , ليحل محلها أبخرة جديدة , كيف يصدر هذا الصغير مثل ذاك الشيء الكبير ؟! هكذا تسائلت , لكني وجدت إجابة غريبة , ربما كان الكبير هو أصل الصغير , لكنه متخفٍ فيه , التفت حولي حيث مصدر الصوت الذي منحني الإجابة , لكني لم أبصره , أو بالأحرى لم أبصر شيئا , فقط كيان أسود معتم تماما يحيط بي , استدرت , صرخت , ركضت ,لكن ما من جديد , حتى توقفت , تنهدت , لأجد الصوت يعاودني قائلا :
هل تريد أن تعرف سرك , سبب حزنك , فلتنبش قلبك , ستجده عند .. قبرك !
قبري , اندفعت متسائلا بعشرات علامات التعجب , قلبي في صدري , ليس في قبري , لم أعرف ماذا يقول هذا المعتوه , لكن صدق هو وصرت أنا المعتوه , إذ نظرت داخلي , فوجدت فراغا كان يشغله شيء يدعى .. قلبي .. , كدت أصرخ , لولا أنني لمحت شيئا يلمع أمامي , تحركت قدماي دون قصد مني حتى توقفت أمامه , عامود رخامي مرصع بالمرمر , محفور داخله بخطوط ذهبية :
هنا يرقد القلب المكلوم , شهيد العشق و الحب , قلب الإنسان الذي أحب !
كدت أصعق من وجود اسمي , كيف يوجد قبر خاص بقلبي , كيف و كيف , لم تتسنَ لي فرصة الإجابة , إذ وجدت معولا و فأسا بجواري , فاندفعت دون قصد مني أزيح هذه الكتلة الضخمة من التراب عن صدري , لأضعها بجوار قبري , لأفتح تابوت نعشٍ مدفون فيه أغلى ما عندي , لأجده , عضلة صغيرة , بنية كما عهدته , عليها إثر قطرات من دماء , لكن , للأسف الشديد , لا ينبض .. تحركت بارتعاشة , أمسكته بيني يدي , تجولت حولي متسائلا , صارخا , لم تحضرتي الإجابة , اندفعت مقادير الدموع تنهال من مخازن عيناي , لتهبط كقطرات مطر في يوم عاصف , لأجد نفسي أمسك بشيء يتحرك , إنه يتحرك , كدت أقفز سعادة و طربا لولا أنه لم .. ينبض ! فقط يتحرك , ليقول كلمات , فهمتها فورا رغم لغتها الغريبة , و لا ريب , فهي لغة العشاق المحبين :
-حبيبتي , مدفونة في بحر العشق , مغمورة تحت الثرى بفؤادها الدامي , رجاءا أخرجها , أود رؤيتها , أود احتضانها , ولو لم أملك ذراعين !
كدت أقول أنني جاهلٌ بما يريد , لكن لمعان شيء بجواري جعلني أستدير , إنه فعلا هو , قبر جديد , بشاهد غريب , عليه رمز القلب العاجي , لم يكن رخامي , محفور بخيوط حمراء دموية , إنه هنا ترقد الفتاة الرقيقة , ذات القلب الحنون , و العشق و الوله و الجنون , هنا حبيبتي , درتي , معشوقتي , تعاهدنا على الحياة سويا , أو الموت سويا ..
تحركت في نشاط دب في أبعد الثرى عن فؤادها , حتى نجحت , كدت أشهق و تخرج روحي من فرط التعب , لكن لا بأس , تحركت أفتح القلب , لأجده ساكنا , أصغر من قلبي , رقيق للغاية , حملته بين يدي كطفل رضيع , بكل حذر , بكل وله , بكل لحظة حب حملته , لم يتحرك , لكني كنت أعرف الحل , بضع قطرات حزن سقطت من عيناي بتلقائية أصابت الهدف في مقتل , لتحيل قتله إلى حياة , لم أعرف أن دموعي قد تهب حياة , أو ربما هي تعطيه ما تأخذه من عندي , لا يهم , الأهم أنه بدأ يتحرك هو الآخر , ليتمتم بكلمات بسيطة , لكنها كانت كفيلة بدفعي لبكاء غزير , قال القلب المكلوم , يا له من يوم سعيد , انتظرته طويلا , كنت أنتظر أمد الآمدين , سعيدة , راضية , بأمل لقاء حبيبي أنتظر و أرتقب , لكن جاء اليوم المشهود , و بكل أسى الدنيا أقول , أنني لم أريده اليوم , فبعد لحظات , سنعود لعالم الجماد , و أترك قلبي و عشقي إلى الأبد , و أنا أعرف جيدا أنه لا من عودة , و لا من لقاء , يا ليتني لم أعش لهذا اليوم , يا ليتني كنت جمادا أنتظر .. و أعتقد .. في صباح كل يوم أنه هو اليوم السعيد , أبتهج و أتزين للقاء حبيبي , لكن بعد اليوم , لا زينة ,لا سعادة , فقط غيوم و غيوم و غيوم , و لا تعطيني تلك الزهور البرية الجميلة , فلتحضر لي زهورا سوداء قبيحة , لتكون مناسبة لمثل هذا اليوم المشئوم ..
تحيرت من أمرهما , ماذا أفعل لهما , موقف ما أصعب أن يكون , تتمناه وحين يكون بين يديك لا تتمنى وجوده , لأنه من بين يديك سيضيع , ابتعدت و أراهما يتعانقان العناق الأخير , مع هبوب عاصفة هوجاء , و رعد و برق في السماء , لتسقط ضربة قوية , محيلة تلك القلوب الغضة الطرية , إلى صخور , و جماد لا يفكر ولا يشعر بأجمل الأمور , بالحب و العشق و الحنين , و فوق هذا كله , انهار جسدي المسكين , على طاولة المطعم العتيق , و أمامي قهوتي , لا يتبقى منها إلا جزء ضئيل , كان أكبر مما تبقى داخل جسدي من بقايا القلب المسكين .

************

أخيرا وصلنا للنهاية ..
لا أعرف أن كانت قد أعجبتكم , فقد أثرت فيكم كما أثرت في ..
هناك كثير من الأخطاء , الإملائية و النحوية و البنائية للقصة , لكني لم أقدر على التعديل , فقط لأنين لم

أقدر على قرائتها مرة أخرى .. فبكاء واحد يكفيني ..

ستجدون شيئا يشبه الشعر في القصص , لم أكتب الشعر من قبل , لا أعرف من الأساس كيفية كتابته ,

ولست محبا له , و لم أقرأ شعرا سوى ما كان في أيام دراستي , لهذا فلا أعلم من أين أتى هذا المخلوق ,

لكني أتمنى أن تعجبكم شخابيطي فيه ..

أخيرا أتمنى أن تكون المجموعة قد أعجبتكم ..

وبالطبع أي نقد و رأي سأكون سعيدا به ..
الساحر ..

قضية .. رأي .. عام ..

بسم الله الرحمن الرحيم

قضية رأي عام

قضية رأي عام , هي ليست بقضية متهربي الضرائب , أو هاربي القروض البنكية المصرية , كلا , إنها قضيرة رأي عام من وجهة نظر أخرى , بل إنها قضية مجتمع باسره ..

(more…)

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..